“السترات الصفراء” ترفض الاكتفاء بتعليق زيادة الضرائب وتدعو لتظاهرات جديدة في فرنسا
أحمد كيلاني
يورابيا ـ باريس ـ من أحمد كيلاني ـ دخلت أزمة الاحتجاجات التي تشهدها فرنسا في منعطف خطير بعد رفض حركة “السترات الصفراء” إعلان رئيس الوزراء الفرنسي إدوار فيليب تعليق زيادة الضرائب على الوقود لمدة ستة أشهر، مؤكدة عزمها على مواصلة التظاهرات ضد السياسات الاقتصادية للحكومة يوم السبت المقبل في باريس وعموم فرنسا.
وقال بعض نشطاء “السترات الصفراء” إن الإجراءات التي أعلن عنها فيليب غير كافية وغير مقنعة ولا ترقى لمستوى التوقعات، بينما أعلنت أحزاب المعارضة أن إجراءات الحكومة قليلة ومتأخرة جداً.
وقال إريك درويت، أحد مؤسسي حركة “السترات الصفراء”، لقناة “بي اف ام” الفرنسية إن “الاحتجاجات ستمضي قدماً يوم السبت المقبل، متعهداً بمواصلة “التظاهرات طالما لا يوجد تغيير حقيقي”، داعياً إلى “تكثيف تلك التظاهرات”، بينما أكد النائب البرلماني المحافظ داميان أباد، “ضرورة إلغاء الزيادة الضريبية على الوقود وليس تعليقها فقط”.
بدورها قالت زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبن في تغريدة على “تويتر”، إن “المحتجين يريدون إلغاء زيادة الضريبة وليس تعليقها”، في حين اتهم الزعيم اليساري المتشدد جان لوك ميلينشون، كلاً من الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون وفيليب بالرغبة في إرجاء أي قرار إلى ما بعد الانتخابات الأوروبية المقررة العام المقبل، وقال ميلينشون “لا يمكنك إرضاء ثورة المواطنين بهذا النوع من الحيل السياسية”.
وكانت الحكومة الفرنسية التي رفضت سابقاً التراجع عن قراراتها، قد قدمت تنازلاً تحت ضغط تصاعد غضب الشارع الفرنسي بهدف إرضاء المحتجين وذلك من خلال إعلان فيليب عن تعليق زيادة الضرائب على الوقود لمدة ستة أشهر.
وأكد فيليب في كلمته أمس أن “لا ضرائب تستحق أن تعرض وحدة الأمة للخطر”، مضيفاً “يجب أن تكون أصماً وأعمى لكي لا ترى ولا تسمع هذا الغضب”.
ودعا فيليب إلى إجراء حوار واسع يشمل جميع الفرنسيين في جميع الأراضي الفرنسية، لافتاً إلى أن هذا الحوار سيبدأ في الخامس عشر من الشهر الجاري وسينتهي في الأول من مارس المقبل، مشيراً إلى أن النظام الضريبي في فرنسا معقد جداً ويتم انتقاده ووصفه بانه غير عادل ويجب الحديث عن التعديلات الممكنة.
وجاء إعلان فيليب عن تعليق الضرائب بعد اجتماع عقده الرئيس ماكرون الاثنين الماضي مع رئيس الوزراء وعدد من الوزراء في قصر الاليزيه تناول آخر المستجدات بشأن الأزمة، ونتائج اللقاءات التي عقدها فيليب مع عدد من قادة الأحزاب السياسية.
وتعهدت الحكومة الفرنسية اليوم الأربعاء بأنه سيتمّ إجراء تقييم لفعالية إصلاحها المثير للجدل للضريبة على ثروة دافعي الضرائب الأكثر ثراءً.
وعند سؤاله عن احتمال إعادة فرض الضريبة على الثروة التي يطالب بها عدد كبير من المحتجين، ترك المتحدث باسم الحكومة بنجامين غريفو المجال مفتوحاً، حسبما ذكرت وكالة “فرانس برس”.
وقال غريفو لشبكة “ار تي ال”، إن “هذا الموضوع ليس على الطاولة” في الوقت الحالي لكن “إذا لم ينجح أمر ما، لسنا أغبياء، سنغيّره”.
وتم تحويل الضريبة على الثروة العام الماضي إلى ضريبة على الثروة العقارية دون سواها، واعتبر اليسار هذا الإجراء بمثابة “هدية للأغنياء”.
وأشار غريفو إلى أن “هذا الإجراء يحتاج إلى ما بين 18 و24 شهراً كي يتم تفعيله بشكل كامل”، وتعهد بأنه سيتمّ تقييم هذه الآلية في البرلمان على الأرجح اعتباراً من خريف 2019.
وفي ما يخصّ الضرائب على المحروقات التي تم إرجاء زيادتها، أكد غريفو أنه في حال “لم تجد الحكومة حلاً” بعد المشاورات التي ستُجرى حتى الأول من آذار/مارس، فهي “ستتخلى” عن الزيادة.
وأضاف المتحدث باسم الحكومة “لا نعمل في السياسية كي نكون على حق، نحن نعمل في السياسة كي تسير الأمور، إذا لم نجد حلاً، سنتخلى عن الزيادة”.
ويرى بعض المعارضين لسياسات الحكومة أن الإجراءات التي تم الإعلان عنها كان من الممكن اتخاذها قبل تصاعد حدة الاحتجاجات، وأشاروا إلى أن عناد الرئيس ماكرون والسلطة التنفيذية وضع البلاد في حالة توتر شديدة وعلى فوهة بركان.
وقال محللون سياسيون إن محاولات الحكومة لنزع فتيل الأزمة من خلال تعليق الزيادة الضريبية على الوقود قد باءت بالفشل إذ أن تلك التدابير لا ترضي مطالب حركة “السترات الصفراء” التي تدعو إلى تحسين القدرة الشرائية ورفع المعاشات التقاعدية وزيادة الحد الأدنى للرواتب ورفع المساعدات المالية للطلاب.
وقال بنجامين كوتشي أحد منظمي حركة “السترات الصفراء” إن “الفرنسيين لا يريدون الفتات، إنهم يريدون الرغيف كاملاً”، مشدداً على أن “الفرنسيين يريدون تغيير مسار سياسة ماكرون”.
وأضاف كوتشي “إذا لم يكن ماكرون قادراً على القيام بذلك، فعليه إعادة الفرنسيين إلى صناديق الاقتراع”، مشيراً إلى أن “الحل سيكون بحل الجمعية الوطنية وإجراء انتخابات تشريعية جديدة”.
ويبدو من خلال كلام كوتشي وبعض نشطاء “السترات الصفراء” أن مطالب المحتجين لم تعد تنحصر فقط في المطالب الاجتماعية والاقتصادية بل بدأت تأخذ طابعاً سياسياً، إذ شهدت تظاهرات يوم السبت الماضي دعوات لرحيل ماكرون وحل الجمعية الوطنية وتعيين رئيس وزراء جديد، الأمر الذي قد يدخل البلاد في دوامة أزمات كبيرة تحتاج لعلاجات ناجعة وتدابير قوية بهدف إعادة الأمور إلى نصابها.
وغداة إعلان المحتجين عزمهم على التظاهر مجدداً السبت المقبل، بدأت السلطات الفرنسية الاستعداد ليوم جديد من التوترات، بينما دعا وزير الداخلية الفرنسي كريستوف كاستانير “السترات الصفراء” إلى عدم القدوم إلى باريس السبت، مؤكداً أنه سيتم نشر أعداد كبيرة من رجال الشرطة.