كواليس واسرار

الحوثيون بين العقيدة والصراع.. العلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل في ميزان الجيوسياسة الإقليمية

من سعيد برجي

صنعاء ـ يورابيا ـ من سعيد برجي ـ قال المعهد الإيطالي للشؤون الدولية في تحليل شامل إن حركة الحوثي في اليمن تطورت من جماعة دينية محلية إلى فاعل إقليمي رئيسي ضمن شبكة الصراعات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، مشيرًا إلى أن علاقاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل تتسم بعداء أيديولوجي عميق، تمخض مؤخرًا عن صدامات مباشرة وتصعيدات عسكرية خطيرة.

حركة الحوثي: النشأة والتوجهات الأيديولوجية

وأوضح المعهد أن الحوثيين نشأوا في تسعينيات القرن الماضي في شمال اليمن، متأثرين بالمذهب الزيدي الشيعي، حيث تأسست أول نواة لهم تحت اسم الشباب المؤمن عام 1992. وبمرور الوقت، تحولت الحركة من جماعة دعوية إلى حركة مسلحة تقود تمردًا مفتوحًا ضد الدولة، خاصة مع ما وصفوه بتهديدات داخلية وخارجية ضد الهوية الزيدية.

ولفت المعهد إلى أن التاريخ الزيدي للحكم في اليمن يشكل خلفية مهمة لفهم طموحات الحوثيين الحالية، إذ يرون في أنفسهم امتدادًا للأئمة الزيديين الذين حكموا شمال اليمن لقرون حتى الإطاحة بهم عام 1962.

العقيدة والصراع الإقليمي

وبحسب التحليل، يتبنى الحوثيون أيديولوجية صارمة تنتمي للشيعة الإثني عشرية، وإن كانت خلفيتهم زيدية، مع طموحات عابرة للحدود تستهدف إقامة “خلافة إسلامية عاصمتها القدس”، في إطار ما يعرف بـ محور المقاومة بقيادة إيران.

ويرى المعهد أن هذا التوجه جعل الحركة تعتمد على حالة الصراع الدائم كإستراتيجية وجودية، وجعل من العداء للولايات المتحدة وإسرائيل حجر زاوية في عقيدتها وخطابها السياسي والإعلامي.

الحوثيون والحرب الأهلية اليمنية

أشار المعهد إلى أن الحوثيين استغلوا حالة السخط الشعبي والتهميش السياسي لتوسيع نفوذهم، وتمكنوا في سبتمبر 2014 من السيطرة على صنعاء، مما شكل تحولًا نوعيًا أشعل فتيل الحرب الأهلية.

ويتحكم الحوثيون اليوم بجزء كبير من الأراضي اليمنية وأكثر من ثلثي السكان، مما جعلهم طرفًا فاعلًا في صراع إقليمي، خاصة مع تدخل التحالف بقيادة السعودية منذ 2015 لوقف التمدد الحوثي المدعوم من إيران.

العلاقات مع الولايات المتحدة: من التوتر إلى المواجهة

وذكر المعهد الإيطالي أن العلاقات بين الحوثيين والولايات المتحدة اتسمت تاريخيًا بعدم الثقة، لكن تحولت إلى مواجهة عسكرية مباشرة عقب هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر في نهاية 2023، والتي ادّعوا أنها تضامن مع غزة في مواجهة الهجوم الإسرائيلي.

ردًا على ذلك، قادت واشنطن عملية “حارس الرخاء” الدولية لحماية الملاحة، ونفذت بالتنسيق مع بريطانيا ضربات جوية على مواقع حوثية. وقد صنفت الولايات المتحدة الحوثيين لاحقًا كمنظمة إرهابية.

وفي مايو 2025، أشارت تقارير إلى مفاوضات لوقف إطلاق النار بوساطة عمانية، طرح خلالها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إمكانية وقف القصف مقابل توقف الحوثيين عن استهداف الملاحة، لكن المعهد لفت إلى أن الاتفاق لم يشمل وقف العمليات ضد إسرائيل.

العلاقات مع إسرائيل: عداوة عقائدية وصدام مباشر

ووفقًا للتحليل، ينظر الحوثيون إلى إسرائيل كعدو عقائدي وديني، ويتبنون شعارات معادية للسامية مثل “الموت لإسرائيل”، ما يجعل من الحوار أو المصالحة أمرًا مستبعدًا دون تحول أيديولوجي جذري.

منذ بداية الحرب في غزة أكتوبر 2023، أطلق الحوثيون صواريخ وطائرات مسيرة على إسرائيل، واستهدفوا سفنًا مرتبطة بتل أبيب في البحر الأحمر، مما أدى إلى ردود إسرائيلية عبر ضربات جوية في اليمن.

وأكد المعهد أن هذه الهجمات رفعت من مكانة الحوثيين ضمن محور المقاومة، وجعلت منهم فاعلاً غير حكومي يشارك بشكل مباشر في النزاع العربي الإسرائيلي.

دور إيران وحزب الله

وبين التحليل أن إيران تمثل الداعم الأساسي للحوثيين، سواء عبر التمويل أو التسليح أو التدريب، مما مكّنهم من تطوير قدرات عسكرية مثل الصواريخ الباليستية والطائرات بدون طيار.

كما أشار إلى وجود تعاون وثيق مع حزب الله اللبناني، الذي يُعتقد أنه قدم تدريبات للحوثيين، بما يعزز من تكتيكاتهم العملياتية ضمن استراتيجية محور المقاومة الممتدة من لبنان إلى اليمن.

أزمة البحر الأحمر: تهديد عالمي

وقال المعهد إن الهجمات الحوثية على الملاحة الدولية أعادت تشكيل المشهد الأمني العالمي، حيث دفعت شركات النقل البحري إلى تغيير مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح، ما تسبب في ارتفاع تكاليف الشحن وتأثيرات على سلاسل الإمداد العالمية.

ورغم تشكيل التحالفات الدولية، يرى المعهد أن القدرة المتزايدة للحوثيين على التهديد والصمود تؤكد الحاجة إلى مقاربة استراتيجية أوسع تتضمن جهود دبلوماسية وحلول سياسية إلى جانب الردع العسكري.

سيناريوهات مستقبلية

1. السيناريو الأفضل: التهدئة والحل السياسي

يرى المعهد أن خفض التصعيد الإقليمي، وخاصة بين إيران والسعودية، يمكن أن يفتح الطريق نحو تسوية سياسية شاملة في اليمن، مع مشاركة الحوثيين في حكومة وطنية وإعادة إعمار البلاد، ووقف الهجمات على الملاحة.

2. السيناريو الأسوأ: التصعيد والانهيار

في هذا السيناريو، يتوقع المعهد تفاقم الصراع الإقليمي، وفشل المساعي الدبلوماسية، واندلاع مواجهة مفتوحة بين الحوثيين والولايات المتحدة، مع استمرار الهجمات على إسرائيل وتصاعد الأزمة الإنسانية، ما يهدد أمن الشرق الأوسط والتجارة العالمية.

خلاصة

يرى المعهد الإيطالي أن حركة الحوثي تجاوزت كونها فاعلاً محلياً في اليمن، لتصبح جزءاً من شبكة جيوسياسية معقدة تمتد من طهران إلى غزة، ويصعب عزل سلوكها عن صراعات المنطقة الكبرى. وبالتالي، فإن فهم أيديولوجيتها، وشبكة تحالفاتها، وتحركاتها الميدانية ضروري لأي استراتيجية دولية تسعى لضمان الاستقرار في الشرق الأوسط والبحر الأحمر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى