السلايدر الرئيسيتحقيقات

الحكومة اللبنانيّة الجديدة تفتتح أولى جلساتها اليوم… والتجاذب السياسيّ حول الملفّ السوريّ تحت السيطرة

جمال دملج

يورابيا ـ بيروت ـ من جمال دملج ـ بصرف النظر عن الجدل الذي أُثير خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية حول ما إذا كان وزير الدولة اللبنانيّ لشؤون المهجَّرين صالح الغريب قد حصل على تغطيّةٍ رسميّةٍ مسبَّقةٍ قبل قيامه بزيارته الأخيرة لسوريا أم إنّه تصرَّف بشكلٍ منفرِدٍ وبناءً على اجتهادٍ شخصيٍّ، فإنّ جملة المؤشِّرات المتوافرة في بيروت قبيل انعقاد الجلسة الأولى للحكومة اللبنانيّة الجديدة اليوم الخميس ما زالت تدلّ حتّى هذه اللحظة إلى أنّ ملفّ معالجة أزمة النزوح السوريّ في لبنان أوشَك على أن يخرج تدريجيًّا من دائرة التجاذبات السياسيّة الداخليّة ما بين الفريق الذي لا يرى أيَّ مانعٍ في البدء باتّخاذ الإجراءات العمليّة اللازمة لتوفير شروط عودة النازحين الطوعيّة والآمنة إلى ديارهم وما بين الفريق الآخر الذي يرى العكس، ولا سيّما بعدما كان الوزير الغريب قد سارع لدى عودته إلى بيروت بالتوجُّه إلى قصر بعبدا بغية إطلاع رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون على نتائج اجتماعاته مع المسؤولين السوريّين، ومن بينهم وزير الإدارة المحلّيّة والبيئة حسين مخلوف، تمامًا مثلما سارع بالتوجُّه لاحقًا إلى السراي الحكوميّ استجابةً لاستدعاء رئيس الوزراء سعد الحريري، الأمر الذي يبدو كافيًا في هذه الأثناء لكي يدفع على الاعتقاد بأنّ أولى جلسات الحكومة الجديدة ستمرُّ في نهاية المطاف على خيرٍ، ومن دون أيِّ عقباتٍ تُذكَر، اللهمّ باستثناء ما أُشيع عن اعتزام وزراء كلٍّ من “حزب القوّات اللبنانيّة” و”الحزب التقدّميّ الاشتراكيّ” إثارة الموضوع قبل الشروع في مناقشة جدول الأعمال المحدَّد للجلسة، وذلك من باب تسجيل المواقف لا أكثر.

ومع الأخذ في الاعتبار أنّ مصادر “تيّار المستقبل” نفَت في أكثرَ من مناسَبةٍ أن يكون الرئيس الحريري قد تبلَّغ أصلًا باعتزام الوزير الغريب الذهاب إلى سوريا، ناقلةً عنه أنّه “كما لم يوافق من قَبل على زيارةِ أيٍّ من الوزراء المعنيّين لدمشق، فهو لذلك ليس موافقًا على هذه الزيارة تحديدًا، وبالتالي لا يمكن اعتبارها سوى زيارة خاصّة لا تُلزم الحكومة اللبنانيّة”، فإنّ هذا النفي لا يُلغي بالطبع واقع الحال القائم على أنّ ملفّ تسوية أزمة النازحين السوريّين وُضِع في الوقت الحاليّ تحت دائرة الضوء أكثرَ من أيِّ وقتٍ مضى، وخارج نطاق إخضاعه هذه المرّة لآليّات الحلّ السياسيّ النهائيّ ومستقبل الرئيس بشّار الأسد، وهو ما تجلّى مؤخَّرًا بوضوحٍ من خلال عدّةِ معطياتٍ هامّةٍ، وفي مقدِّمتها تأكيدُ رئيس الجمهوريّة العماد عون على أنّ ليس في إمكان لبنان انتظار الحلّ السياسيّ في سوريا لكي يفعَل شيئًا، في إشارةٍ إلى مسعى الوزير صالح الغريب، وتشديدُ السفير الروسيّ في بيروت ألكسندر زاسبيكين على وصفِ مبادرة بلاده حيال قضيّة النازحين بالإنسانيّة البحتة وإشارتُه إلى أنّ الاتّصالات المباشِرة بين المسؤولين الأمنيّين اللبنانيّين ونظرائهم السوريّين جاريةٌ على قدمٍ وساقٍ بهذا الخصوص، فضلًا عن إعلان وزيرة الداخليّة والبلديّات اللبنانيّة ريّا الحسن في أعقاب اجتماعها أوّل من أمس الثلاثاء مع ممثِّلة المفوضيّة السامية للأمم المتّحدة لشؤون اللاجئين في لبنان السفيرة ميراي جيرار أنّه “تمَّ التطرُّق إلى العمل المشترَك في ما يتعلَّق أيضًا بملفّ عودة النازحين إلى المناطق الآمنة، وكيفيّة العمل لرفع العقبات تدريجيًّا للسماح لأكبرِ عددٍ من النازحين بالعودة إلى بلدهم”.

على هذا الأساس، يُصبح في الإمكان القول يقينًا إنّ كلّ ما أُشيع خلال اليومين الماضيين عن ظهورِ تبايُنٍ في وجهات النظر بين رئيس الجمهوريّة ورئيس مجلس الوزراء، سواءٌ حيال أهداف زيارة الوزير الغريب لسوريا أم حيال أبعاد مواقف وزير الدفاع الياس بو صعب في مؤتمر ميونيخ للأمن التي أعرب فيها عن تحفُّظه على وجودِ منطقةٍ آمنةٍ بين سوريا ‏وتركيا باعتبار أنّ أيَّ وجودٍ عسكريٍّ تركيٍّ على الأراضي السوريّة من دون موافقة دمشق هو احتلال، لا يخرج عن نطاقِ مجرَّدِ شائعاتٍ ليس لها أيِّ أساسٍ من الصحّة، ولا سيّما بعدما تمَّ احتواء الجدل الذي أُثير حول هذه المواقف في أعقاب توجُّه الوزير بو صعب إلى السراي الحكوميّ للقاء الرئيس الحريري، حيث أكَّد من هناك أنّ كلّ مواقفه “تأتي تحت سقف البيان الوزاريّ وميثاق جامعة الدول العربيّة، بدليل التأييد الذي حصلت عليه من الأمين العامّ للجامعة ومبعوث الأمم المتّحدة الخاصّ لسوريا اللذين أكّدا الأمر نفسه في الجلسة ذاتها”، الأمر الذي يعني في نهاية المطاف أنّ الادّعاء بأنّ هذه المواقف خارجةٌ عن مبدأ “النأي بالنفس” الذي يلتزم به لبنان الرسميّ ليس ادّعاءً صائبًا بأيّ شكلٍ من الأشكال.

وإذا كان من السابق للأوان حتّى ساعةٍ مبكِّرةٍ من صباح اليوم الخميس التكهُّن بطبيعة الآليّات التي ستحدِّد مسار المناقشات السياسيّة بين الوزراء خلال انعقاد الجلسة الأولى للحكومة الجديدة في وقتٍ لاحقٍ من هذا النهار، فإنّ أكثر ما بدا واضحًا وجليًّا كان قد تمثَّل في مجموعةٍ من المواقف والثوابت التي عبَّر عنها رئيس الجمهوريّة العماد عون لدى استقباله البارحة نقيب المحرِّرين جوزيف القصيفي على رأسِ وفدٍ من مجلس النقابة الجديد، ولا سيّما عندما استغرَب ما يُثار من حديثٍ عن خلافاتٍ داخل الحكومة قبل اجتماعها، معتبرًا أنّها ستكون “حكومة ناجحة”، ومعلنًا عن تأييده لما قاله الوزير بو صعب بالنسبة لرفض لبنان إقامةَ منطقةٍ عازلةٍ في شمال سوريا نظرًا لأنّ هذه المنطقة سيكون محرَّمًا على النازحين السوريّين العودة إليها في حال تمَّ إنشاؤها، وهذا أمرٌ مضرٌّ بلبنان، ولافتًا إلى أنّ “تجربتنا مع القضيّة الفلسطينيّة في هذا المضمار غير مشجِّعة”، ومستغرِبًا في الوقت نفسه مواقف بعض الدول الكبرى، في إشارةٍ إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة، التي لا تقوم بأيِّ جهدٍ لإعادة النازحين، وتريد أن تمنع علينا العمل لتحقيق هذه العودة… وحسبي أنّ هذه المواقف والثوابت إنْ دلَّت إلى شيءٍ في هذا الزمان اللبنانيّ المفتوح على كافّة الاحتمالات، فهي تدلُّ إلى براغماتيّةٍ لافتةٍ في مجال مقاربة الأمور بعنايةٍ فائقةٍ وتسميتها بأسمائها الصحيحة… والخير دائمًا من وراء القصد.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى