التداين الأسري يبلغ مستويات قياسية في تونس
يورابيا ـ تونس ـ ألقت الأزمة الاقتصادية بثقلها على كاهل المواطن التونسي وأثرت بشكل مباشر على مقدرته الشرائية التي تدهورت إلى مستويات غير مسبوقة.
ووجدت غالبية الأسر التونسية نفسها في وضع المضطر للتداين إما من المؤسسات المالية والبنوك أو من مؤسسات العمل أو من الجمعيات التمويلية أو من الأفراد المحيطين بها لتستطيع مجاراة تكاليف المعيشة اليومية. العديد من العائلات غرقت في الديون وبعضها عاجز عن سدادها والعديد من حالات الانتحار لأرباب الأسر كان سببها المباشر الفقر والخصاصة والعجز عن تأمين لقمة العيش الكريم لأفراد الأسرة.
وأفادت إحصائيات قام بها المعهد الوطني للاستهلاك بتونس ونشرت نتائجها العام الماضي أن حوالي 800 ألف أسرة تونسية، من مجموع 2.7 مليون أسرة، متحصلة على قرض بنكي.
وأكد مدير المعهد التونسي للاستهلاك طارق بن جازية أن ترتيب الأوليات للأسر التونسية اختلف في الآونة الأخيرة نظرا لارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية للمواطن، كما كشف ارتفاع معدل الاستهلاك لدى التونسي مشيرا إلى أنّ القروض الاستهلاكية لفائدة الأسر التونسية بلغت 22,8 مليار دينار إلى غاية شهر مارس 2018.
ولا تبدو هذه الأرقام مستغربة لو نظرنا إلى الوضع المعيشي الصعب الذي باتت تمر به جل الأسر والأفراد المعيلين لأسرهم بسبب ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية والتي تضاعف بعضها إلى أكثر من مرتين خلال السنتين الأخيرتين بجانب ارتفاع الضرائب من جهة وارتفاع تكلفة الخدمات من جهة ثانية ومن بينها أسعار الماء والكهرباء والخدمات الصحية وغيرها. وأمام النسق التصاعدي لغلاء تكلفة المعيشة بقيت التنمية على ما هي عليه أو ازدادت الخطط التنموية تعطّلا وكذلك نسب البطالة وتجمدت الزيادات في الرواتب في جل القطاعات العمومية والخاصة.
وتدحرجت الأسر الفقيرة إلى الفقر المدقع والأسر المتوسطة إلى درجة الفقر وهو ما جعل اللجوء إلى التداين يمثل حلا للكثير من العائلات من فئات اجتماعية واسعة. وليس مستغربا اليوم أن يصبح التداين أحد الحلول التي لم يجد التونسيون بديلا لها إلى درجة أنها دخلت في ثقافته وفي نمط معيشته. فبعض الأسر تضطر للاقتراض من البنوك وغيرها من المؤسسات المالية مثل الصناديق الاجتماعية ومن الجمعيات التي تمنح قروضا استهلاكية لتتمكن من تغطية مصاريفها المناسبتية أو اليومية. وبات ثابتا لدى الأسر من الطبقة الاجتماعية المتوسطة والتي يعيلها فرد موظف أو اثنين بأنه من غير الممكن منطقيا وحسابيا أن يتبعوا نظاما في التحكم في المصاريف يمكّنهم من إدخار مبلغ يؤمن ثمن مسكن أو اقتناء سيارة أو القيام بمشروع صغير يساعدهم على توفير مورد مالي إضافي.
وبحسب أرقام رسمية صادرة عن البنك المركزي التونسي فقد تضاعف حجم القروض البنكية المسندة إلى الأسر التونسية مرتين، ليمر من 10.7 مليار دينار في شهر ديسمبر من العام 2010 إلى 20.8 مليار دينار في مارس 2017، ويأتي في المرتبة الأولى لأسباب الاقتراض اقتناء مسكن أو تحسين المسكن وفي المرتبة الثانية القروض الاستهلاكية.
وأفادت دراسات المعهد الوطني للاستهلاك في تونس أن القروض الموجهة للاستهلاك تطورت بمعدل 7 بالمائة سنويا، واستنتجت الدراسة أن ظاهرة التداين الأسري باتت راسخة في ثقافة التونسيين فلا يمكن للمواطن من الفئات الاجتماعية المتوسطة أن يفكر في اقتناء مسكن أو في تحسين مسكنه دون أن يعوّل على الاقتراض من البنوك (85 بالمئة من القروض موجهة إلى السكن، بحسب البنك المركزي).
أما الإقبال على القروض الاستهلاكية فقد شهد إقبالا متزايدا في السنوات الأخيرة بسبب تزامن مواسم ارتفاع الاستهلاك لدى التونسيين المرتبط مثلا بشهر رمضان والأعياد الدينية مع موسم العطل في فصل الصيف ونظرا لتزايد المصاريف في هذه الفترة التي يعقبها مباشرة العودة المدرسية تجد الأسرة التونسية نفسها عاجزة عن تغطية كل هذه النفقات ما يدفعها للاقتراض لكي لا تحرم الأبناء من استئناف دروسهم.
ولا يرتهن ارتفاع النفقات والمصاريف عند الاسر التونسية فقط بارتفاع الأسعار بل يرجع أيضا إلى تغير نمط المعيشة عند التونسيين الذي بات يميل أكثر نحو الطابع الاستهلاكي علاوة على الحرص على مجاراة العادات المكلفة ومحاكاة الآخرين في المحيط الاجتماعي القريب وأيضا الحرص على الترفيه رغم ضعف الإمكانيات ما يضطر أرباب الأسرة إلى تحميل أنفسهم أعباء إضافية تفوق قدراتهم المادية الحقيقية فيسقطون طبيعيا في التداين أو الشراء باعتماد نظام الأقساط وغيرها بحيث يجد المتداين نفسه مطالبا شهريا بمبلغ قد يتجاوز نصف راتبه لسداد القروض أو الأقساط مع الديون الأخرى من من مصادر مختلفة.
وانطلاقا من الوضع الاقتصادي الراهن بمختلف مؤشراته ومعطياته التي ترجح مزيدا من التدهور يرى مختصون أن نسق التداين الأسري في تونس وكذلك العجز عن توفير مستلزمات الحياة اليومية سيستمر في الفترات المقبلة بالتوازي مع توقعات بارتفاع أكبر في الأسعار وتدهور أكثر للمقدرة الشرائية للمواطن.