السلايدر الرئيسي

الاعلام العبري يتحدث عن قاعدة أمريكية كبرى على حدود غزة… ومجلة ذا اتلانتيك الامريكية تكشف عن خطة لـ”مجتمعات آمنة بديلة” للفلسطينيين في المناطق التي يسيطر عليها الاحتلال في القطاع

من سعيد جوهر وسعيد العامودي

الولايات المتحدة تعزز وجودها العسكري في إسرائيل وتخطط لمرحلة ما بعد الحرب

واشنطن ـ غزة ـ يورابيا ـ من سعيد جوهر وسعيد العامودي ـ قالت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية إن الولايات المتحدة الأمريكية تستعد لإقامة قاعدة عسكرية ضخمة قرب حدود قطاع غزة، في ما وصفته الصحيفة بأنه “أكبر تصعيد في مستوى النشاط الأمريكي داخل إسرائيل منذ عقود”.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين إسرائيليين – لم تُسمّهم – أن القاعدة الجديدة ستُقام في منطقة حدودية جنوب إسرائيل، وستضم آلاف الجنود الأمريكيين المكلّفين بمراقبة وقف إطلاق النار والإشراف على عمليات المساعدات وإعادة الإعمار في غزة.

وبحسب التقرير، قُدّرَت التكلفة المبدئية للمشروع بنحو نصف مليار دولار، وقد بدأت بالفعل فرق هندسية أمريكية – إسرائيلية مشتركة بإجراء مسوحات ميدانية لتحديد الموقع النهائي للقاعدة.

وذكرت يديعوت أحرونوت أن هذا المشروع يشكّل تحولًا جذريًا في مستوى الانخراط العسكري الأمريكي في إسرائيل، مشيرة إلى أنه يأتي بعد إنشاء مركز التنسيق المدني–العسكري الأمريكي (CMCC) في مدينة كريات جات جنوب البلاد، الذي يضم حاليًا نحو 200 جندي أمريكي متخصص في النقل، واللوجستيات، والأمن، والهندسة.

القاعدة الأولى من نوعها في إسرائيل

بحسب الصحيفة، ستكون القاعدة الجديدة – في حال إنشائها – أول منشأة عسكرية أمريكية دائمة بهذا الحجم على الأراضي الإسرائيلية.
ويُفترض أن تشرف على التنسيق الأمني والإنساني في غزة، إلى جانب متابعة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي وُقّع في أكتوبر/تشرين الأول الماضي بين إسرائيل وحركة “حماس”، ضمن ما يُعرف بـ”خطة ترامب للسلام”.

وأكدت مصادر إسرائيلية أن إنشاء القاعدة يعكس التزام واشنطن المتزايد بإدارة المرحلة الانتقالية في غزة، ويشير إلى نية الولايات المتحدة لعب دور مباشر في إعادة ترتيب الوضع الأمني والإداري في القطاع، في ظل تراجع استقلالية القرار الإسرائيلي بعد الحرب.

وقال الباحث الإسرائيلي مايكل ميلشتاين، الرئيس السابق لقسم الشؤون الفلسطينية في الجيش الإسرائيلي، إن “دور إسرائيل كفاعل مركزي في غزة على وشك أن يتغير جذريًا”، مضيفًا أن مركز التنسيق الأمريكي في كريات جات سيكون الجهة التي “تشرف فعليًا على معظم الأنشطة في غزة”.

من القاعدة إلى “المجتمعات الآمنة”… بعد الحرب تأتي الهندسة الديموغرافية

في موازاة ذلك، كشفت مجلة ذا أتلانتيك الأمريكية تفاصيل خطة موازية يجري تطويرها برعاية البيت الأبيض تحت مسمى “المجتمعات الآمنة البديلة”، تهدف إلى إيواء عشرات الآلاف من الفلسطينيين في مناطق محددة على الجانب الإسرائيلي من “الخط الأصفر” الذي يفصل غزة الغربية (الخاضعة لحماس) عن غزة الشرقية (الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي بعد الحرب).

وقالت المجلة إن الخط الأصفر، الذي بدأ كحد غير مرئي، تحول تدريجيًا إلى حاجز مادي من الكتل الخرسانية الصفراء بعد أن أطلق الجيش الإسرائيلي النار مرارًا على مدنيين حاولوا عبوره.
ووفق الخطة الجديدة، سيُسمح بدخول الفلسطينيين إلى هذه “المجتمعات البديلة” فقط بعد موافقة المخابرات الداخلية الإسرائيلية (الشاباك)، وبناءً على فحص أمني دقيق، على أن تُمنع عنهم حرية التنقل إلى باقي مناطق غزة.

النسخة الأمريكية من “القرى الاستراتيجية” الفيتنامية

تقول ذا أتلانتيك إن هذه الخطة تذكّر بمشروع “القرى الاستراتيجية” الذي دعمته واشنطن في فيتنام خلال ستينيات القرن الماضي لعزل المدنيين عن نفوذ الشيوعيين، لكنها انتهت بالفشل الذريع.
وتضيف أن “المجتمعات الآمنة البديلة” في غزة ستضم مراكز طبية ومدارس ومبانٍ إدارية وسكنًا مؤقتًا لما بين 6,000 و25,000 فلسطيني في كل تجمع، وفقًا لمراسلات داخلية أمريكية اطلعت عليها المجلة.

وتتولى شركة Tetra Tech الأمريكية – بعقد من وزارة الخارجية – مهمة إزالة الأنقاض والذخائر غير المنفجرة تمهيدًا لتشييد أول مجتمع سكني تجريبي قرب رفح.
وحضر الرئيس التنفيذي للشركة اجتماعات تنفيذية في إسرائيل لمناقشة مراحل المشروع، حسب مصادر دبلوماسية أمريكية.

خطة كوشنر وترامب: غزة جديدة على النمط الأمريكي

تعود فكرة هذه “المجتمعات” إلى فريق الرئيس السابق دونالد ترامب، الذي يرى في إعادة إعمار غزة فرصة لبناء ما وصفه بـ”ريفيرا الشرق الأوسط”.
وقال مستشاره وصهره جاريد كوشنر في مؤتمر صحفي عُقد في إسرائيل الشهر الماضي:”أموال إعادة الإعمار لن تُخصص للمناطق التي لا تزال حماس تسيطر عليها… نريد بناء غزة جديدة، مكان يجد فيه الفلسطينيون وظائف وحياة كريمة”.

وبحسب ذا أتلانتيك، فإن الخطة تحظى بدعم شخصيات نافذة في إدارة ترامب السابقة، من بينها كوشنر ورجل الأعمال الأمريكي ستيف ويتكوف، بينما تواجه رفضًا واسعًا من مسؤولين في الخارجية الأمريكية ومنظمات الإغاثة الدولية، الذين يخشون أن تتحول هذه “المجتمعات” إلى مناطق عزل جماعي للفلسطينيين.

الاعتراضات الدولية: مخاوف من “تقسيم دائم” لغزة

يحذر دبلوماسيون أوروبيون وعرب من أن هذه الخطة قد تؤدي إلى ترسيخ تقسيم جغرافي دائم داخل غزة، يفصل بين “غزة الخاضعة لإسرائيل” و”غزة المحاصرة من حماس”، وهو ما يشبه سيناريو “بانتوستانات” جنوب إفريقيا في حقبة الفصل العنصري.

ونقلت صحيفة فاينانشيال تايمز عن دبلوماسي عربي قوله:”إذا استمرت الولايات المتحدة في دعم هذا التوجه الإسرائيلي، فسنواجه صدامًا قادمًا بين الفلسطينيين والمصريين والقطريين والأتراك من جهة، وبين واشنطن وتل أبيب من جهة أخرى.”

حتى الآن، لم توافق أي دولة عربية أو إسلامية على تمويل المشروع، رغم أن ترامب ألقى مسؤولية إعادة الإعمار على “الدول الإسلامية والعربية”.
في المقابل، تخطط وزارة الخارجية الأمريكية لتمويل الخدمات الأساسية مؤقتًا عبر منظمات إغاثة، مع الاستعانة بمقاولين أمريكيين لإدارة التجمعات السكنية الجديدة.

أزمات إنسانية بلا حل

بحسب المجلس النرويجي للاجئين، فإن نحو 1.5 مليون فلسطيني بحاجة إلى مأوى طارئ بعد دمار الحرب التي قتلت أكثر من 69 ألف شخص وأصابت 170 ألفًا آخرين، ودمرت 90% من البنية التحتية المدنية في غزة.
لكن خطة “المجتمعات الآمنة” لا تقدم سوى 7400 خيمة مؤقتة حتى الآن ـ أي أقل من 1% من الحاجة الفعلية.

ويخشى مراقبون أن تتحول هذه “المناطق المؤقتة” إلى كيانات دائمة خاضعة للرقابة العسكرية الأمريكية–الإسرائيلية، مما يمنح واشنطن نفوذًا غير مسبوق على مستقبل غزة، ويُضعف دور السلطة الفلسطينية أو أي إدارة مدنية فلسطينية محتملة.

إعادة هندسة ما بعد الحرب: واشنطن تكتب قواعد اللعبة الجديدة

تشير الخطة الأمريكية–الإسرائيلية، وفق المحللين، إلى أن غزة ما بعد الحرب لن تكون كما كانت.
فبدلًا من إنهاء الاحتلال أو تمكين سلطة فلسطينية موحدة، يجري التأسيس لنظام إدارة دولي ـ أمني بإشراف أمريكي مباشر، يتعامل مع الفلسطينيين كـ”ملف إنساني” لا كقضية سياسية.

ويقول خبير الشرق الأوسط في جامعة جورج تاون، الدكتور ناثان براون:”هذه ليست خطة إعمار، بل خطة إعادة هندسة ديموغرافية تحت غطاء إنساني. الولايات المتحدة تُنشئ واقعًا جديدًا يجعل العودة إلى غزة الموحدة شبه مستحيلة.”

غزة بين القاعدة والمجتمع البديل

من القاعدة العسكرية الأمريكية قرب الحدود إلى “المجتمعات الآمنة” داخل الخط الأصفر، يبدو أن ما يجري هو ترسيمٌ فعلي لحدود جديدة بين الفلسطينيين والإسرائيليين ـ حدودٍ يُراد لها أن تكون “مؤقتة”، لكنها، كما تشير ذا أتلانتيك، قد تتحول إلى حاجز دائم يفصل الغزيين عن أرضهم إلى الأبد.وكما انتهى تحقيق المجلة الأمريكية:
“الشرق الأوسط مليء بالحواجز التي صُممت كإجراءات مؤقتة، لكنها أصبحت شقوقًا دائمة. يبدو أن غزة تسير في الاتجاه نفسه.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى