
بعد ظهيرة يوم الخامس والعشرين من مايو/ أيار وصل الزحام في العاصمة الأردنية عمان إلى حدود غير مسبوقة تاريخيا، ولم تتوقف حالة الازدحام إلا قبيل منتصف الليل، وخلافا للترتيبات الاعتيادية، لم تكن المواكب، التي تحظى بدعم شبه رسمي سائدة أو ظاهرة بأي شكل، فالسيارات كانت مليئة بالأسر والأطفال، ولم تكن ثمة ملامح تقليدية لتسييس مناسبة عيد الاستقلال التاسع والسبعين للمملكة، مع أن كل معطيات التسييس بقيت قائمة في الأسابيع التي سبقت هذه الاحتفالية. ما الذي دفع الأردنيين إلى الخروج بهذه الكثافة، التي أخفت أي ترتيبات ربما كانت معدة مسبقا، وتمكنت من احتوائها في مشهد شعبي، وإذا كان يمكن وصف الحالة بالالتفاف، فهل كان الدافع النفسي الجمعي قائما على حالة نشوة وطني؟ أم تحركه عوامل مثل، إبداء التماسك والإصرار في مواجهة مخاوف محتملة؟
ربما تشهد عمان خلال أيام قليلة مقبلة التعبير عن النشوة الجمعية في حالة تمكن المنتخب الأردني من التأهل إلى كأس العالم، والمرجح أن أجواء ملبدة بالغيوم دفعت الأردنيين إلى المشاركة الواسعة بمناسبة عيد الاستقلال، خاصة أن فهرسا من المخاوف يتمدد أمامهم منذ بداية الحرب على غزة، وما تبعها من أحداث جيوسياسية جسيمة، ربما بصورة متزامنة، وربما نتيجة لها بوصفها نقطة فارقة في تاريخ المنطقة. قبل أسابيع كان قطاع واسع من النخبة الأردنية، يزدحم في قاعة أحد فنادق عمان للاستماع إلى عبد الرؤوف الروابدة، محاضرا حول السردية الوطنية في ظل التحولات الإقليمية، ويبدو أن معظم الحضور كانوا يبحثون عن الإجابة لدى السياسي المحنك، الذي كان أول رئيس للحكومة في عهد الملك عبد الله الثاني، والحقيقة أن الرجل تناول التاريخ بكثير من الاقتدار، إلا أنه ترك الباب مفتوحا أمام تأويلات كثيرة متعلقة بالمستقبل.
على مستوى آخر، بين النخبة السياسية والثقافية والإعلامية، والفعالية الشعبية العفوية في احتفاليات الاستقلال، يعايش الأردنيون الافتراضيون حالة من الاشتباك، تأهبت لها وحدة الجرائم الإلكترونية، وتوسعت في أعمالها تجاه مروجي ثقافة الكراهية والمسيئين لمكونات اجتماعية أردنية، عبر منصات التواصل الاجتماعي بصورة واسعة منذ بداية العام الجاري. يكاد الأردنيون يعبرون في هذه المرحلة عن الخوف السائل، الذي تحدث عنه عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان، والذي يصفه بالمتفرق والمنتشر والمشتت والمتقلب والعائم، ليس له عنوان أو سبب واضح، وضمن هذا المفهوم يأتي عيد الاستقلال الاستثنائي بوصفه وسيلة دفاع متقدمة تجاه حالة من التوتر، التي بدأت تتعالق مع شعور عام بأن الأمور لا تمضي على ما يرام، وأن الحسابات المستبعدة قبل الحرب على غزة أصبحت ممكنة ومحتملة بعدها. بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول كنت بين جمع من الكتاب الأردنيين في اجتماع مع رئيس مجلس الوزراء السابق بشر الخصاونة، وتحدث عن رغبة الدولة في تجنب توتير الأردنيين، أو إثارة مخاوفهم، وأن ذلك ليس من المصلحة العامة، ومع ذلك، فالتصاعد في الأحداث، وما بدأ بعدها من تحولات تراجيدية على المسرح السياسي في لبنان وسوريا، وما شاهده الأردنيون من صواريخ إيرانية تعبر مجالهم الجوي، أخرجهم من حالة هدوء نسبي يصل إلى حافة الفتور، تمتد من سنة 1991، وتعمقت هذه الحالة مع استيعاب الدولة خلال هذه الفترة العديد من الأزمات الكبرى.
مع عودة الرئيس الأمريكي ترامب، ومناوراته حول صفقة القرن، أو نسخة أسوأ، يمكن رصد بداية حالة عدم الارتياح التي توسعت في الأردن، وتعززت مع التصعيد في الضفة الغربية، والشعور بأنها ستكون المحطة التالية بعد التمكن من إنهاء الحرب في غزة، أو على الأقل، ستكون محلا لتهجير ناعم بقي طويلا على قائمة المحاذير الأردنية، مع التأكيد على الرفض القاطع لفكرة الوطن البديل، والعمل على تعزيز وجود السلطة الوطنية، لأنها تمثل الحد الأدنى من الشرعية الفلسطينية وحولها، في نسختها الراهنة أو أي نسخة مستقبلية، يمكن الحديث عن دولة فلسطينية تصبح تحصينا تجاه محاولات تصفية القضية الفلسطينية من خلال الأردن وعلى حسابه. يزيد من حالة التخوف غير القابلة للإحاطة بالكامل، أو التعريف بدقة، ما يستشعره الأردنيون من تغيرات واسعة في فكرة الدعم العربي الذي تلقاه الأردن طويلا، بما كان يوفره للأردن من هامش واسع في حالتي الحرب والسلام مع (إسرائيل)، فالحقيقة أن الأردن تحمل التكلفة الباهظة للحرب، والتكلفة الأعلى للسلام، وفي الحالتين كانت الدول العربية تنظر إلى الأردن بوصفه الجدار الذي يحول بينها وبين إسرائيل، ولكن الأمور اختلفت، وتكاد بعض الدول العربية تنظر إلى الأردن، وكثير من مواقفه وكأنها تقف أمام تطبيع إسرائيل في المنطقة من خلال الجغرافيا، والتمسك السياسي بقضايا الوصاية على المقدسات ورفض التهجير، عدا عن المواقف الشعبية المناهضة للمشروعات التي تتطلبها عملية تطبيع إسرائيل في المنطقة.
حاليا يشعر الأردن بأن وضعيته، التي تحتم على المواجهة والتسوية، أن يعبرا إجباريا عن طريقه، أصبحت جزءا من الماضي، وأن ما يمكن وصفه بالمنظومة العربية لم يعد موجودا، كما يتضح في قمة بغداد الأخيرة، ولأن الأردنيين يفترضون ضمنيا أنهم في محيط المطامع الإسرائيلية بصورة مباشرة (الخريطة التي عرضت من قبل وزير المالية سموتريتش) أو غير المباشرة، تفريغ الضفة الغربية في الأردن، وإنهاء المشروع الفلسطيني على ذلك الأساس، فإن التغيب العربي، ربما يدفعهم إلى مواجهة في توقيت حرج ومن غير الغطاء اللازم.
لا يوجد خطر مباشر ومتجسد في صورة واضحة ليفزع الأردنيون تجاهه، أو يحددوا مواقفهم تجاهه، فالأوضاع في الضفة على حافة الانفجار، ولكنها لا تنفجر، وحتى لو حدثت اللحظة الصعبة بالتصعيد إلى الحدود القصوى، فالسيناريوهات كثيرة ومتعددة، ولكل منها حساباته الخاصة، والخبرة التي للدولة تأتت في ظروف مختلفة، وتحالفات أصبحت تتغير وكأنها لعبة الكراسي الموسيقية. السياق السياسي ببعده الإقليمي يتراصف مع سياق محلي محبط من الجولة الأولى للتحديث السياسي، الذي ظهر في نتائج الانتخابات الأخيرة التي أظهرت أن التجارب الحزبية غير ناضجة لمنافسة الإخوان المسلمين، الذين يعتبرون بصورة أو بأخرى جزءا من معادلة قديمة، غير مناسبة للمرحلة الراهنة أو المقبلة، إلا أنها كانت قصارى ما تمخضت عنه الانتخابات، وتلاشت بقية الأحزاب لتترك الجميع للتساؤل حول الاستثمار في التجربة وضرورته في هذه المرحلة، وما تبعها من تفاعلات أظهرت تجسد الخوف السائل في مفاصل عديدة، وأسوأها يتغذى من الأوضاع الاقتصادية التي تتزايد ضغوطاتها على الأردنيين.
بين ثقة كاملة في خصوصية القدر الأردني، والحالة الوسطية بين الطفو والغرق، ومؤشرات لعصر يطوي أوراقه ويفسح المجال لحقبة جديدة، فإن الأردنيين يقفون في حالة من التخوف العمومي، لا ترتقي إلى خوف ذي خصوصية وقوام يمكنهم أن يواجهوه أو يتجنبوه، ولذلك فالجميع يبحث في الأفق عن فسحة ليعبر عن الالتفاف أو التراص أو التشبث، بما أمكن ووفقا لطريقته الخاصة.
كاتب أردني
عن صحيفة القدس العربي اللندنية