السلايدر الرئيسيتحقيقات

إسرائيل وقضيّة الأنفاق الحدوديّة مع لبنان: حربٌ نفسيّةٌ أم تمهيدٌ للمواجهة الشاملة؟  

جمال دملج

يورابيا – بيروت – من جمال دملج – ربّما كان البيان الذي حذَّر فيه “المجلس الوطنيّ للإعلام” البارحة من مغبّة الوقوع في “فخّ الترويج للدعاية الصهيونيّة وخدمة حملات التهويل والتهديد التي يروِّج لها العدوّ ضدّ لبنان” في سياق التغطيات الميدانيّة المتواتِرة للتطوُّرات المستجدّة تِباعًا في ضوء إعلان الجيش الإسرائيليّ عن بدء عمليّة “درع الشمال” الرامية إلى البحث عمّا يُشتبه بأنّه “أنفاقٌ هجوميّةٌ” تمتدُّ في اتّجاه أراضي الدولة العبريّة من أراضي الجنوب اللبنانيّ، من أكثر البيانات الاحترافيّة ذات الدلالات الواضحة على ما بات يحظى به “السلاح الإعلاميّ” في مختلف أنحاء العالم من أهمّيّةٍ بالغةٍ في مجال تحديد مسارات الحروب النفسيّة بالتزامُن مع اندلاع الحروب العسكريّة أو لدى التحضير لاندلاعها، ولا سيّما أنّ الأسلوب المستخدَم هذه المرّة في آليّات الترويج للدعاية الإسرائيليّة، بدءًا من تغريدات المتحدِّث باسم الجيش أفيخاي أدرعي التي هدَّد فيها وتوعَّد كلًّا من “حزب الله” والمؤسّسة العسكريّة اللبنانيّة على حدٍّ سواء، مرورًا بتصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو التي تعهَّد فيها بأنّ العمليّة ستأخُذ مداها الزمنيّ لغاية تحقيق مبتغاها، وانتهاءً بإعلان البيت الأبيض عن أنّ الولايات المتّحدة تدعم بقوّةٍ جهود إسرائيل للدفاع عن سيادتها، بدا كما وأنّه أسلوبٌ يستهدف بالدرجة الأولى جسَّ نبضِ المعنيّين على الجانب اللبنانيّ وقياسَ منسوبِ تماسُكهم المحتمَل في ظلّ الانقسامات السياسيّة السائدة حاليًّا في البلد إذا ما قرَّرت إسرائيل تسديدَ ضربةٍ خاطفةٍ أو أكثرَ بتغطيةٍ أميركيّةٍ بالطبع، أملًا في تسجيلِ نقطةٍ لصالحِ كلٍّ من تلّ أبيب وواشنطن في إطار مساعيهما الرامية إلى تطويق إيران، الأمر الذي استوجَب إصدار البيان التحذيريّ الآنف الذكر من منطلق حرص “المجلس الوطنيّ للإعلام” على تجنيب اللبنانيّين من مخاطرِ وتأثيراتِ حربٍ نفسيّةٍ ممنهَجةٍ لن تُسفِر إذا ما قُدِّر لها أن تستشري في أوساطهم إلّا عن المزيد من الانقسامات.

بين نتنياهو وترامب

علاوةً على ذلك، فإنّ ثمّة سببًا آخَر تتداوله الأوساط اللبنانيّة للدعوة إلى توخّي الحذر لدى الاعتماد على مصادر الأخبار الواردة من مصدرٍ مسيَّسٍ واحدٍ في هذه المرحلة الخطيرة، ويتمثَّل في أنّ تزامُن المأزق الراهن الذي يمرُّ به رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو على خلفيّة ملاحقته وزوجته بتهمٍ تتعلَّق بالفساد مع المأزق المرتقَب الذي يُتوقَّع أن يمرَّ به الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب على خلفيّة اتّساع الهوّة بين مكوِّنات إدارته جرّاء عدم اتّخاذ موقفٍ موحَّد لغاية الآن حيال قضيّة تصفية الصحافيّ السعوديّ جمال خاشقجي، من شأنه أن يُجسِّد حاجة الجانبين إلى اختلاق بؤرةِ توتُّرٍ جديدةٍ لتحويل أنظار الرأي العامّ في الداخليْن الإسرائيليّ والأميركيّ عن حقيقة ما يجري في عُقر دارهما، ولا سيّما بعدما بات من الصعب جدًّا تحويل تلك الأنظار إلى سوريا، حسب ما درجت عليه العادة خلال الأعوام الثلاثة الماضية، منذ قيام روسيا بتسليم الجيش السوريّ منظومة “إس 300” الدفاعيّة الصاروخيّة ردًّا على حادثة إسقاط إحدى طائراتها من طراز “إيل 20” نتيجةً لخطأ المقاتلات الإسرائيليّة قبالة سواحل اللاذقيّة في شهر أيلول (سبتمبر) من العام الحاليّ.

المعارك بين الحروب

على هذا الأساس، يُصبح في الإمكان تفهُّم مغزى التسريبات المنسوبة لمصادرَ لبنانيّةٍ مطّلعةٍ عن أنّ “حزب الله” الذي لم يعلِّق أساسًا على عمليّة “درع الشمال” يرى أنّ الإسرائيليّين يسعون إلى إيجادِ منفذٍ جديدٍ لهم لاستهداف الحزب والحدّ من تطوُّر وتراكُم قدراته خارج سوريا بعدما أوشكت الحرب على أن تضع أورزاها هناك، وبعدما وضعَت روسيا “حدودًا جوّيّةً” لحركة المقاتلات الإسرائيليّة، وبالتالي فإنّ تلّ أبيب غيرَ القادرة على القيام بأيِّ “مبادرةٍ استراتيجيّةٍ كبرى” في الوقت الراهن عبْر بدءِ حربٍ شاملةٍ ستسعى إلى تغيير “قواعد الاشتباك” بجسّ النبض عن طريق استهداف الساحة اللبنانيّة بعمليّاتٍ محدودةٍ أو ما يُسمّى بـ “المعارك بين الحروب”، علمًا أنّ الأمين العامّ السيّد حسن نصر الله كان قد أكّد مرارًا على أنّ الحزب سيردُّ حتمًا على أيَّ استهدافٍ عسكريٍّ للبنان، الأمر الذي ذكَّر به “الإعلام الحربيّ” بدوره في مطلع الأسبوع الجاري.

الساحة الأضعف

وإذا كانت مصادرُ قريبةٌ من “حزب الله” قد قلَّلت من شأن الإجراءات العسكريّة الإسرائيليّة عند تخوم الحدود الجنوبيّة، رافضةً التعليق عليها “والانجرار إلى ما يريده العدوّ”، فإنّ مردَّ ذلك يعود إلى وجودِ قناعةٍ بأنّ نتنياهو “مأزومٌ ويُطلِق فقّاعاتٍ ويسعى إلى تعويم نفسه وزيرًا للدفاع خلفًا للوزير المستقيل أفيغدور ليبرمان”، ناهيك عن أنّه يحاول الإيحاء بقدرته على الإمساك بزمام الأمور أملًا في تعزيز حظوظه في الانتخابات المقبلة، علمًا أنّ هناك مصادرَ لبنانيّةً أخرى من خارج الحزب تحدَّثت البارحة في اتّجاهٍ مختلِفٍ مؤدّاه أنّ إسرائيل ليست مرتاحةً بالطبع إلى مسار الأمور روسيًّا وسوريًّا وإيرانيًّا، وهي لن تُسلِّم بالرضوخ لتقييد طلعاتها الجوّيّة وضرباتها في سوريا، وستعمل على استغلال أيِّ معطى أو إيجادِ أيِّ ذرائعَ تُشكِّل متنفَّسًا لها لإعادة فرض شروطها في الميدان، الأمر الذي دفعها إلى بدء عمليّة “درع الشمال” عند تخوم الحدود اللبنانيّة نظرًا لأنّها ترى أنّ التحرُّك في هذه المنطقة على وجه الخصوص يمكن أن يخدمها باتّجاهاتٍ عدّةٍ لكونها “الساحة الأضعف” بالنسبة لها، معتمِدةً في ذلك على دعمٍ أميركيٍّ مطلَقٍ كان قد تجلّى البارحة في فحوى الكلام الذي جاء على لسان مستشار الأمن القوميّ للبيت الأبيض جون بولتون عندما قال: “ندعو إيران وكلّ عملائها إلى وقف تعدّياتهم واستفزازهم الإقليميّ الذي يشكِّل تهديدًا غيرَ مقبولٍ للأمن الإسرائيليّ والإقليميّ”.

جهوزيّة الجيش اللبنانيّ

أمّا عن موقف لبنان الرسميّ، فقد ركَّز رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون البارحة على متابعة التطوُّرات في المناطق الحدوديّة الجنوبيّة عن كثبٍ، وأجرى لهذه الغاية سلسلةَ اتّصالاتٍ شملت رئيس مجلس النوّاب نبيه بري ورئيس مجلس الوزراء سعد الحريري وقائد الجيش العماد جوزيف عون، حيث تمّ تقييم الموقف في ضوء المعطيات المتوافرة حول أبعاد العمليّة الإسرائيليّة، والطلب من الأجهزة الأمنيّة متابعة الموقف بدقّةٍ، بينما أكَّدت قيادة الجيش في بيانٍ حول هذه التطوُّرات على أنّ الوضع في الجانب اللبنانيّ من الحدود هادئٌ ومستقرٌّ وقيدُ المتابعة الدقيقة، مشيرةً إلى أنّ “وحدات الجيش المنتشرة في المنطقة تقوم بتنفيذ مهمّاتها المعتادة على طول الحدود بالتعاون والتنسيق مع قوّات الأمم المتّحدة المؤقَّتة في لبنان لمنع أيِّ تصعيدٍ أو زعزعةٍ للاستقرار في منطقة الجنوب”، ومشدِّدةً على أن “الجيش اللبنانيّ على جهوزيّةٍ تامّةٍ لمواجهةِ أيِّ طارئ”.

الخطيب البارِع

وفي السياق نفسه، أكَّدت قوّات الـ “يونيفيل” بدورها على أنّ الوضع العامّ في منطقة عمليّاتها لا يزال هادئًا، موضِحةً أنّ “جنود حفظ السلام زادوا من دوريّاتهم على طول الخطّ الأزرق إلى جانب القوّات المسلَّحة اللبنانيّة للحفاظ على الاستقرار العامّ وتجنُّب أيِّ سوءِ فهمٍ قد يؤدّي إلى تصعيد”، ومشيرةً إلى أنّ رئيس بعثتها وقائدها العامّ اللواء ستيفانو ديل كول حثَّ مجدَّدًا جميع الأطراف على استخدام الآليّات التي تضطلع بها البعثة في مجال الارتباط والتنسيق والآليّة الثلاثيّة لتهدئة أيِّ توتُّرٍ… وحسبي أنّ فِرق الارتباط التابعة للـ “يونيفيل” التي تعمل في هذه الأثناء على جانبيْ “الخطّ الأزرق” ستبذل قصارى الجهد اعتبارًا من الآن وحتّى إشعارٍ آخر للحيلولة دون خروج الأمور عن نطاق السيطرة، بينما ستَبقى أبواب الحروب النفسيّة مشرَّعةً على كلِّ الاحتمالات بين الحرب واللا حرب، والسلم واللا سلم، اللهمّ إلّا إذا قرَّر أحد الطرفين الخوض في مغامرةٍ أو مقامرةٍ لقلب الموازين الراهنة رأسًا على عقب، فعندئذٍ سيتغيَّر بالتأكيد فحوى هذا الكلام جملةً وتفصيلًا… وحسبي أيضًا أنّني تذكَّرتُ للتوّ ما نُسِب للإسكندر المقدونيّ عندما قال ذاتَ يومٍ: “أعطِني خطيبًا بارِعًا واحدًا وخُذ منّي ألفَ انتصار”، فالخطيب هناك هو الإعلام هنا… والخير دائمًا من وراء القصد.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى