السلايدر الرئيسيتحقيقات

أوروبا وأمريكا بين مطرقة المصالح وسندان جماعات الضغط في علاقتهما مع إسرائيل

من سعيد سلامة

لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ قال المعهد الإيطالي للشؤون الدولية إن الدول الأوروبية تتحرك في علاقتها مع إسرائيل على وقع توتر مشابه لذلك الذي يحرك المؤسسات الأمريكية، متسائلًا: هل تسعى هذه الدول لتحقيق مصالحها الاستراتيجية الخاصة، أم أنها ترضخ لضغوط جماعات داخلية مقربة من الدولة العبرية؟

وأضاف المعهد أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم تركز في زيارتها الأخيرة للشرق الأوسط على إسرائيل فحسب، بل وقعت اتفاقًا منفصلًا مع ميليشيا “أنصار الله” في اليمن، وفتحت قناة تفاوض مباشرة مع حركة حماس، متجاوزة الحكومة الإسرائيلية.

واعتبر المعهد أن هذه الخطوات حملت رسالة واضحة للرأي العام الإسرائيلي مفادها أن إطلاق سراح الرهائن ممكن، وأن حماس قابلة للتفاوض، لكن غياب الإرادة السياسية لدى حكومة تل أبيب هو العائق الأساسي.

وأشار المعهد إلى أن إقالة مستشار الأمن القومي الأمريكي مايك والتز، والتي رُبطت بداية بفضيحة اتصالات، يبدو أنها في الواقع جاءت نتيجة مواقفه المتطرفة تجاه إيران وعلاقته الوثيقة برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في مؤشر على محاولة واشنطن النأي بنفسها عن أجندة اليمين الإسرائيلي المتشدد.

ورأى المعهد أن هذه الخطوات قد تعكس إما تحولاً “تاريخيًا” في السياسة الأمريكية بالشرق الأوسط، أو مجرد تحرك “تكتيكي” هدفه تهدئة الحلفاء الخليجيين، وخصوصاً السعودية، في ظل أزمات اقتصادية داخلية وضغوط متعلقة بملف الطاقة.

وأوضح المعهد أن التوتر بين واشنطن وتل أبيب ليس وليد اللحظة، بل يعود إلى مرحلة ما بعد الحرب الباردة، حين فقدت إسرائيل الكثير من أهميتها الاستراتيجية كحليف غربي في مواجهة النفوذ السوفيتي، وهو ما عوّضته لاحقاً بجماعات ضغط فعالة داخل دوائر صنع القرار الأمريكي.

أما على الصعيد الأوروبي، فقال المعهد إن الاتحاد الأوروبي وبعض دوله الأعضاء، خصوصاً الواقعة في حوض البحر الأبيض المتوسط، باتت أكثر وضوحًا في مواقفها إزاء السياسات الإسرائيلية في قطاع غزة، رغم أن الجرائم المرتكبة هناك ليست جديدة، ولا بدأت مع هجمات 7 أكتوبر 2023.

وأضاف أن هذا التحول في الموقف الأوروبي لا يمكن فصله عن اعتبارات جيوسياسية، في مقدمتها المخاوف من احتمال تهجير سكان غزة إلى دول مجاورة مثل ليبيا أو سوريا، وهو سيناريو رأى فيه المعهد تهديدًا مباشرًا للاستقرار الإقليمي، ولجهود أوروبا المستمرة منذ سنوات في احتواء تداعيات الفوضى في شمال إفريقيا.

وحذّر المعهد من أن الاتحاد الأوروبي، الذي استثمر موارد كبيرة في إعادة الاستقرار إلى ليبيا، لا يمكن أن يقبل بترحيل قسري لسكان غزة إلى مناطق كشرق ليبيا الخاضعة لنفوذ الجنرال خليفة حفتر، خاصة مع احتمال تجدد محاولاته للسيطرة على طرابلس، وما قد يرافق ذلك من اضطرابات أمنية واندفاع موجات هجرة نحو أوروبا.

كما أشار المعهد إلى أن العلاقات الوثيقة بين الرجل الاقوى في ليبيا خليفة حفتر والنظام المصري قد تُستخدم لتمرير مثل هذه المخططات، وسط رفض مصري وأردني رسمي لاستقبال اللاجئين الفلسطينيين، وهو ما قد يُفسّر تصاعد وتيرة الخطاب الأوروبي الرافض لسياسات إسرائيل مؤخراً.

وفي هذا السياق، لفت المعهد إلى أن المواقف الأوروبية، وإن بدت أكثر جرأة من ذي قبل، لا تزال متأثرة بجماعات ضغط داعمة لإسرائيل داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الخطاب الرسمي الأوروبي ما زال يصف العمليات الإسرائيلية في غزة بأنها “دفاع عن النفس”، وإن كانت غير متناسبة.

وختم المعهد الإيطالي للشؤون الدولية تحليله بالتأكيد على أن التوتر بين المصالح الاستراتيجية والضغوط السياسية والإعلامية الداخلية يحرك بدرجات متفاوتة سياسات كل من الولايات المتحدة وأوروبا تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، مشيرًا إلى أن هذا التوتر قد يكون المحدد الأساسي لمستقبل هذه العلاقات في المرحلة المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى