السلايدر الرئيسيكواليس واسرار

أزمة الاستخبارات الجزائرية: فرار ناصر الجنّ يفتح الباب على صراع الولاءات داخل الدولة العميقة

من سعيد وهراني

لم يكن مطلع عام 2025 عادياً في الجزائر. ففي لحظة واحدة اهتزّت صورة جهاز الاستخبارات الداخلية DGSI، الجزائر ـ يورابياـ سعيد وهراني ـ  من حد أكثر مؤسسات الدولة حساسية وسرية، بعد أن تمكّن مسؤول بارز يُعرف باسم ناصر الجنّ من الهروب إلى الخارج في عملية دراماتيكية. لم يكن الرجل شخصية عابرة داخل الجهاز، بل ضابطاً كبيراً تولّى ملفات حساسة، ما جعل فراره حدثاً ذا أبعاد سياسية وأمنية عميقة، فتح الباب على مصراعيه أمام نقاش قديم جديد: هل فقدت الاستخبارات الجزائرية تماسكها، وهل تحوّلت من ركيزة للنظام إلى ساحة لصراع الولاءات؟

من العشرية السوداء إلى هروب 2025

الجزائر عرفت عبر تاريخها الحديث أن الاستخبارات ليست مجرد مؤسسة أمنية، بل هي قلب النظام نفسه. خلال العشرية السوداء في التسعينيات، لعبت أجهزة الأمن والاستخبارات دوراً محورياً في إدارة المواجهة مع الجماعات المسلحة، لكنها في الوقت ذاته تورطت في صراعات داخلية على النفوذ والقرار. جهاز الأمن والاستعلام (DRS) بقيادة الجنرال محمد مدين، الشهير بـ”توفيق”، كان في تلك المرحلة أشبه بـ”الدولة داخل الدولة”، يراقب السياسيين، يوجّه القرارات، ويضبط توازنات الحكم.

غير أن هذه القوة المفرطة أثارت مخاوف حتى داخل هرم السلطة. ومع وصول عبد العزيز بوتفليقة إلى الحكم، بدأت محاولات للحد من نفوذ الجهاز. وفي عام 2015 جاءت لحظة مفصلية حين أُطيح بالجنرال توفيق وتم حل جهاز DRS، ليُعاد تشكيله تحت مسمى DGSI. ورغم أن الهدف المعلن كان “إعادة هيكلة الاستخبارات لتصبح أكثر مهنية وأقل تسييساً”، إلا أن الولاءات لم تُحسم قط. فقد توزعت بين بقايا شبكات الجنرال توفيق، وولاءات جديدة لدوائر مقربة من الرئاسة والجيش.

فرار ناصر الجنّ: عرض أزمة أعمق

في هذا السياق التاريخي جاء فرار ناصر الجنّ، ليعكس أن إرث الانقسامات لم يُمحَ. الرجل الذي كان محسوباً على جناح قوي داخل الجهاز، تمكّن من مغادرة البلاد عبر مسار بري سريع مستخدماً أوراقاً بديلة، في عملية توحي بأن هناك “تواطؤاً داخلياً” أو على الأقل شبكة حماية ساعدته. ذلك ما جعل الواقعة تتجاوز البعد الأمني إلى أن تكون رسالة سياسية.

الهروب كشف عن حقيقة مزعجة: أن الجهاز لم يعد كتلة واحدة صلبة، بل أصبح متشظياً بين أجنحة مختلفة، بعضها يدين بالولاء لدوائر سياسية نافذة، وبعضها الآخر يبحث عن حماية لنفسه وسط لعبة معقدة تتجاوز حدود المؤسسة الأمنية إلى قلب الدولة.

تداعيات سياسية داخلية

توقيت الحادثة كان بالغ الحساسية. الجزائر تعيش جدلاً حول مرحلة ما بعد الرئيس الحالي، مع تصاعد مطالب الإصلاح السياسي والاقتصادي، وعودة الحراك الشعبي بصيغ مختلفة. في مثل هذا المناخ، أتى الهروب ليضيف عنصراً جديداً من الشك في قدرة النظام على ضبط مؤسساته الأكثر حساسية. بل إن بعض المراقبين رأوا أن الحادثة قد تكون جزءاً من صراع “كسر عظم” بين أجنحة تتحضر لإعادة توزيع السلطة في السنوات المقبلة.

أبعاد إقليمية ودولية

لم يكن وقع الحادثة داخلياً فحسب. فالأجهزة الأمنية الجزائرية لطالما اعتُبرت خط الدفاع الأول في منطقة مضطربة. الجزائر تواجه تحديات في الجنوب مع التهديدات القادمة من الساحل والصحراء، وضغوطاً من الجوار الليبي، وصراعاً إقليمياً متصاعداً مع المغرب. ومع فرار مسؤول بارز من الاستخبارات، ارتفعت التساؤلات حول قدرة الدولة على الحفاظ على تماسكها الأمني في لحظة تحتاج فيها أكثر من أي وقت مضى إلى جهاز قوي وموحد.

دروس الماضي… وقلق المستقبل

ما يجعل أزمة 2025 أكثر خطورة هو أنها تعيد إلى الأذهان دروس الماضي. فخلال العقود الثلاثة الأخيرة، كلما انقسمت الأجهزة الأمنية أو تحولت إلى ساحة ولاءات متصارعة، دفع النظام السياسي ثمناً باهظاً في الاستقرار والشرعية. واليوم يبدو أن السيناريو يعيد نفسه: جهاز يُفترض أن يكون حارساً للوطن، يتحول إلى مرآة تعكس صراعات النخبة الحاكمة.

إلى أين تتجه الأزمة؟

هناك من يرى أن ما جرى سيكون حافزاً لإطلاق إصلاح شامل داخل أجهزة الاستخبارات، يعيد لها المهنية المفقودة. لكن هناك أيضاً من يتخوف من أن يؤدي الحادث إلى مزيد من التصفيات الداخلية، وربما إلى إعادة إنتاج نفس آليات الولاء والزبائنية التي غذّت الأزمة أصلاً. في الحالتين، الواضح أن الجزائر دخلت مرحلة جديدة عنوانها هشاشة الدولة العميقة، وأن فرار ناصر الجنّ لم يكن نهاية قصة، بل بداية فصل جديد في صراع طويل حول من يملك الولاء ومن يسيطر على مفاصل القوة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى