وول ستريت جورنال: كوشنر يعرض خطة أمريكية ـ إسرائيلية لتقسيم غزة مؤقتًا بين تل أبيب وحماس تحت غطاء إعادة الإعمار
من سعيد جوهر
واشنطن ـ يورابيا ـ من سعيد جوهر ـ كشفت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية أن الولايات المتحدة وإسرائيل تدرسان خطة مثيرة للجدل تقضي بتقسيم قطاع غزة إلى منطقتين منفصلتين، تكون الأولى تحت السيطرة الإسرائيلية وتوصف بأنها آمنة نسبيًا، بينما تبقى الثانية تحت سلطة حركة حماس، على أن يتم تنفيذ عملية إعادة الإعمار في الجزء الخاضع للسيطرة الإسرائيلية فقط. ووفقًا للتقرير، فإن هذه الخطة المؤقتة تأتي في سياق “خطة إعادة بناء غزة الجديدة” التي يقودها جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترمب ومستشاره لشؤون الشرق الأوسط، والتي تهدف إلى نزع سلاح حماس وتهيئة أرضية سياسية جديدة لما بعد الحرب.
تفاصيل الخطة الأمريكية ـ الإسرائيلية
أوضحت الصحيفة أن ملامح الخطة عُرضت خلال مؤتمر صحفي في إسرائيل جمع بين نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس وكوشنر، حيث أكد الاثنان أن الهدف هو إنشاء مناطق آمنة يمكن أن تصبح نموذجًا لـ“غزة ما بعد حماس”.
وقال فانس في تصريحاته إن القطاع بات اليوم مقسومًا عمليًا إلى منطقتين، واحدة آمنة وأخرى شديدة الخطورة، وإن الجهود الأمريكية تتركز على توسيع المنطقة الآمنة تدريجيًا. أما كوشنر، فشدد على أن أموال الإعمار لن تُخصص إلا للمناطق التي خرجت من قبضة حماس، موضحًا أن الفكرة تقوم على البدء بالبناء في المناطق التي تؤمنها قوات الدفاع الإسرائيلية لتوفير بيئة يمكن للفلسطينيين العيش والعمل فيها بأمان.
ويشير التقرير إلى أن وقف إطلاق النار الذي توسّط فيه ترمب في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول، رسم خطًا أصفر على خريطة غزة يحدد مناطق السيطرة الإسرائيلية التي تغطي حاليًا نحو ثلاثة وخمسين في المئة من مساحة القطاع. هذه الخطوط، بحسب الصحيفة، تمثل الأساس العملي لتطبيق الخطة الجديدة، بحيث يُعاد رسم حدود السيطرة تدريجيًا كلما تقدمت عملية نزع السلاح.
غزة الجديدة: إعادة إعمار تحت السيطرة الإسرائيلية
تسعى واشنطن وتل أبيب إلى جعل الجانب الذي تسيطر عليه إسرائيل نموذجًا مصغرًا لما يمكن أن تكون عليه غزة في حال غياب حماس، من خلال تطوير البنية التحتية والمساكن وإطلاق مشاريع اقتصادية هناك. ويقول كوشنر، وفق ما نقلته الصحيفة، إن “الهدف هو بناء غزة للفلسطينيين الذين يريدون حياة كريمة، وليس لأولئك الذين يستخدمون الأرض لإطلاق الصواريخ أو تخزين الأسلحة”.
وتشير مصادر في البيت الأبيض إلى أن كوشنر هو المحرك الأساسي للمشروع بالتعاون مع المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف، وأن الخطة حظيت بموافقة ودعم مباشر من الرئيس ترمب ونائبه فانس.
مخاوف عربية وتحفظات إقليمية
أثارت الخطة قلقًا متزايدًا في الأوساط العربية، حيث عبرت عواصم مثل القاهرة وعمّان والدوحة عن رفضها لفكرة تقسيم غزة حتى وإن كان مؤقتًا، معتبرة أن ذلك قد يتحول إلى واقع دائم يكرّس منطقة سيطرة إسرائيلية داخل القطاع. ونقلت الصحيفة عن دبلوماسي عربي قوله إن ما تطرحه واشنطن “ليس خطة سلام، بل خطة فصل تُهدد وحدة الأرض الفلسطينية”. وأضاف أن الدول العربية لا ترغب في إرسال قوات أمنية أو مراقبة إلى غزة تحت هذه الشروط حتى لا تُتهم بلعب دور الوصاية أو المشاركة في تثبيت الانقسام الجغرافي والسياسي.
خطة ترامب الأصلية: إدارة تكنوقراط وقوة دولية
تُعيد الخطة الجديدة إحياء جزء من “صفقة القرن” التي أطلقها الرئيس ترمب قبل سنوات، إذ كانت تلك الخطة تدعو إلى تشكيل لجنة تكنوقراط فلسطينية لإدارة غزة بإشراف قوة دولية تتولى الأمن، غير أن التفاصيل لم تحدد في ذلك الوقت. ويعارض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشدة إشراك السلطة الفلسطينية في أي دور داخل القطاع، معتبرًا أن عودتها ستقوّض السيطرة الأمنية الإسرائيلية. في المقابل، ترى عدة دول عربية وأوروبية أن السلطة الفلسطينية هي الجهة الشرعية الوحيدة القادرة على إدارة القطاع ضمن إطار سياسي متفق عليه، وأن تجاوزها سيُعمّق حالة الانقسام ويُعقّد أي تسوية مستقبلية.
أسئلة عملية بلا إجابات
ورغم أن واشنطن تصف الخطة بأنها مؤقتة، فإن تطبيقها على الأرض يثير أسئلة معقدة. فكيف يمكن توفير الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والصحة في المناطق التي ستخضع للسيطرة الإسرائيلية؟ وهل سيقبل الفلسطينيون الانتقال إلى “الجانب الآمن” الذي يخضع لرقابة الاحتلال؟ وكيف سيتم التحقق من هوية القاطنين الجدد لضمان عدم تسلل عناصر حماس؟ تشير الصحيفة إلى أن بعض المسؤولين الأمريكيين طرحوا فكرة برنامج تدقيق أمني تديره إسرائيل للفلسطينيين الراغبين بالانتقال، وهي فكرة وُصفت في الأوساط الحقوقية بأنها “نظام فرز عنصري جديد مقنّع بغطاء أمني”.
حماس ترفض وتتوعد
من جهتها، رفضت حركة حماس أي حديث عن تقسيم غزة، معتبرة أن هذه الخطة تمثل “مقدمة لضم فعلي لأراضٍ فلسطينية”. وقالت الحركة في بيان نقلته الصحيفة إن “واشنطن وتل أبيب تحاولان فرض أمر واقع بالقوة بعد فشلهما في إسقاط المقاومة عسكريًا”. كما أشار التقرير إلى أن حماس كثّفت من حملات الاعتقال ضد معارضيها بعد وقف إطلاق النار في محاولة لإحكام قبضتها على مناطق سيطرتها، بينما أكد الجيش الإسرائيلي أن الحركة لم تلتزم بالهدنة بالكامل وأطلقت النار على قواته في أكثر من موقع خلال الأسابيع الماضية.
بين التأييد الإسرائيلي والتحفظ الدولي
داخل إسرائيل، لاقت فكرة إعادة الإعمار المنفصل دعمًا من بعض مراكز التفكير، إذ يرى باحثون مثل عوفر جوترمان من معهد دراسات الأمن القومي أن الخطة “قابلة للتطبيق ومثالية” لأنها تضعف حماس سياسيًا وتخلق نموذجًا عمليًا لغزة البديلة، فيما أشار الضابط السابق أمير أفيفي إلى أن المشروع يتقاطع مع خطط إسرائيلية قديمة لإنشاء مناطق منزوعة السلاح داخل القطاع، وإن كانت تلك المبادرات السابقة قد فشلت في التنفيذ بسبب الفوضى الميدانية.
أما الباحثة الفلسطينية تهاني مصطفى من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، فترى أن هذه الخطة “تهدد ما تبقى من وحدة الأراضي الفلسطينية”، مشيرة إلى أن غزة تمثل آخر رقعة جغرافية متصلة يمكن أن تشكل نواة الدولة الفلسطينية، وأن تقسيمها سيعني فعليًا إنهاء الحلم الوطني. وأضافت أن مطلب الخطة الأمريكية بنزع سلاح حماس دون تقديم أي ضمانات لعملية سلام شاملة سيؤدي إلى طريق مسدود في نهاية المطاف.
غزة ما بعد الحرب في مفترق طرق
في الجوهر، تبدو خطة كوشنر محاولة لإعادة تشكيل الواقع في غزة بوسائل سياسية واقتصادية بعد فشل الحسم العسكري، لكنها في نظر منتقديها تحمل مخاطر تحويل التقسيم المؤقت إلى واقع دائم. وبينما تصفها واشنطن بأنها خطوة نحو الاستقرار، يراها الفلسطينيون والعرب مشروعًا لإعادة هندسة القطاع تحت الهيمنة الإسرائيلية. ومع استمرار الغموض حول آليات التنفيذ ومصير المناطق الخاضعة لحماس، يبقى السؤال الأهم هو ما إذا كانت “غزة الجديدة” التي يتحدث عنها كوشنر ستُبنى من أجل الفلسطينيين فعلًا، أم على حسابهم.
