السلايدر الرئيسيتحقيقات

وول ستريت جورنال: إسرائيل تُشعل الشرق الأوسط من غزة إلى طهران… معركة بلا سقف ونهاية غامضة

من سعيد جوهر

واشنطن ـ يورابيا ـ من سعيد جوهر ـ قالت صحيفة وول ستريت جورنال إن إسرائيل تسابق الزمن لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق رؤيتها، مستفيدةً من مساحة مناورة غير مسبوقة، وسط انشغال الولايات المتحدة بصراعات أخرى وتراجع القيود المفروضة عليها.

وأضافت الصحيفة أن إسرائيل، التي كانت قبل عام فقط عالقة في حرب مرهقة مع غزة ومحاطة بخصوم مدعومين من إيران، تمكّنت اليوم من قلب المعادلة الإقليمية. فمن خلال سلسلة عمليات استخباراتية نوعية وهجمات عسكرية موسّعة، أضعفت إسرائيل فعليًا جماعة حماس وحزب الله، وساهمت في انهيار نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد، وبدأت الآن نقل المعركة مباشرة إلى طهران.

وذكرت الصحيفة أن التصعيد الإسرائيلي تجاوز الحدود التقليدية، فلم يعد يقتصر على استهداف البرنامج النووي الإيراني، بل يسعى إلى شل النظام الإيراني من الداخل، مستغلًا الغطاء الدبلوماسي الأميركي وغياب سياسة ردع واضحة من إدارة ترامب.

وأشارت “وول ستريت جورنال” إلى أن هذه الحملة العسكرية قد تُحدث زلزالًا جيوسياسيًا في المنطقة، وتُعيد رسم خريطة الشرق الأوسط، بل وقد تجرّ الولايات المتحدة إلى مواجهة مفتوحة مع إيران، على الرغم من رغبة ترامب المعلنة سابقًا في تقليص التورط الأميركي في الشرق الأوسط.

تغير جذري في الموقف الأميركي

قالت الصحيفة إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي بدأ العام بدعوات لحل دبلوماسي مع إيران، تحوّل مؤخرًا إلى تأييد غير مشروط للهجمات الإسرائيلية، محذرًا طهران عبر منصات التواصل الاجتماعي بقوله: “على إيران التوصل إلى اتفاق قبل أن يختفي كل شيء.”

ورغم محاولاته تأجيل العمليات العسكرية لإعطاء فرصة للمفاوضات النووية بقيادة مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف، إلا أنه تراجع مؤخرًا بعد انتهاء المهلة التي حددها للإيرانيين، وذلك إثر مكالمة حاسمة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بحسب مسؤولين مطلعين.

وفي هذا السياق، ذكرت الصحيفة أن الولايات المتحدة أرسلت تعزيزات عسكرية لحماية إسرائيل من أي هجمات إيرانية مضادة، مما يعكس تحولًا كبيرًا عن السياسة التقليدية الأميركية التي كانت تُقيّد إسرائيل في تحركاتها العسكرية منذ أزمة السويس عام 1956.

الحملة الإسرائيلية… أهداف طموحة ومخاطر كبيرة

أوضحت “وول ستريت جورنال” أن إسرائيل ضربت أكثر من 250 هدفًا خلال 50 ساعة من الهجمات الجوية، في محاولة لتدمير البنية التحتية العسكرية والنووية لإيران. وقد أعلنت تل أبيب مؤخرًا أنها ألحقَت أضرارًا كبيرة بمجمع “نطنز” النووي، إلا أن منشآت أخرى مثل فوردو، لا تزال خارج نطاق الضربات المؤثرة.

ونقلت الصحيفة عن جوناثان بانيكوف، ضابط استخبارات أميركي سابق، قوله إن مصير المنطقة قد يتحدد بنتائج هذه الحملة:
“إذا نجحت إيران في الحفاظ على برنامجها النووي، فستحتفظ بقدرتها على إعادة بناء نفوذها. أما إذا فشلت، فقد نشهد شرق أوسط جديدًا لم نعرفه منذ أكثر من عقدين.”

الداخل الإسرائيلي.. تعب واستقطاب متزايد

رغم النجاحات العسكرية، أكدت الصحيفة أن إسرائيل تواجه تحديات داخلية كبيرة. فقد أدى استدعاء قوات الاحتياط مرارًا إلى إنهاك المجتمع المدني، في حين لا تزال عشرات الرهائن محتجزين في غزة، إلى جانب عشرات الجثث غير المستردّة.

وتحدثت الصحيفة عن انقسام داخلي حاد حول قيادة نتنياهو، الذي اتُّهم بإقصاء المعارضين من الجيش والأجهزة الأمنية، كما ساهمت جهوده لإصلاح القضاء في تعميق الأزمة السياسية. وقال السفير الإسرائيلي السابق في واشنطن، مايكل أورين:
“الألم والإرهاق وعدم اليقين هي السمات المميزة للمجتمع الإسرائيلي اليوم.”

استراتيجية ما بعد الحرب.. تحديات دبلوماسية كبيرة

قالت الصحيفة إن إسرائيل تحاول الآن ترجمة مكاسبها العسكرية إلى إنجازات سياسية، لكن المهمة معقدة، خصوصًا في ظل تآكل الدعم الدولي بسبب الدمار الواسع في غزة، ومشاهد المجاعة التي غذّت موجات الانتقاد في العواصم الغربية.

ورأت الصحيفة أن الحرب المستمرة منذ 20 شهرًا، والتي خلّفت أكثر من 55 ألف قتيل فلسطيني بحسب وزارة الصحة في غزة، فشلت في القضاء الكامل على حماس أو رسم تصور مقنع لما بعد الحرب.

وفي المقابل، نجحت إسرائيل في دفع حزب الله للتراجع، بعد حملة استمرت شهرين أجبرته على وقف إطلاق النار. لكن النموذج اللبناني لا يبدو قابلًا للتطبيق في غزة، حيث لا خطة إسرائيلية واضحة لإدارة القطاع بعد انهيار الحكم الحمساوي.

إيران خصم مرن ومستعد

أكدت “وول ستريت جورنال” أن إيران، رغم الضربات، لا تزال خصمًا قويًا. وإذا استمرت في إطلاق الصواريخ أو استهدفت المنشآت الإسرائيلية أو المصالح الأميركية، فقد يؤدي ذلك إلى موجة تصعيد جديدة تهدد الاستقرار الإقليمي.

ونقلت الصحيفة عن داني سيترينوفيتش، الباحث في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، تحذيره من الإفراط في التفاؤل، قائلًا:
“هناك نشوة عامة في إسرائيل، لكن يجب أن نتوخى الحذر. قد تُصعّد إيران ردها في أي لحظة.”

قالت وول ستريت جورنال إن إسرائيل تجد نفسها في لحظة نادرة من التفوق العسكري، وتسعى لترجمة هذا التفوق إلى إنجاز استراتيجي واسع النطاق، خصوصًا في ما يتعلق ببرنامج إيران النووي. لكن في ظل معادلات معقدة داخليًا وخارجيًا، وتراجع الدعم الدولي، فإن النجاح العسكري قد لا يكون كافيًا ما لم يُرفق بخطة سياسية واضحة ونهاية مدروسة للحرب.

كما حذّرت الصحيفة من أن إسرائيل، التي نجحت في السابق بتحقيق انتصارات سريعة، غالبًا ما فشلت في تحويل تلك الانتصارات إلى مكاسب دائمة، مشيرة إلى ضرورة التفكير الجاد في استراتيجية الخروج.

وقالت الصحيفة في ختام تقريرها:
“على إسرائيل أن تفكر مليًا، ليس فقط في كيفية الانتصار، بل في كيفية إنهاء هذه الحرب… قبل أن تبتلعها كليًا.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى