وزيرة الثقافة البريطانية تواجه دعوات للاستقالة بعد اجتماع سري مع سفيرة تل ابيب في لندن واتهامات بالخضوع للضغط الإسرائيلي وسط جدل متصاعد حول حرية التعبير بشأن فلسطين
من سعيد جوهر
واشنطن ـ يورابيا ـ من سعيد جوهر ـ تواجه وزيرة الثقافة والإعلام البريطانية ليزا ناندي موجة من الانتقادات والضغوط السياسية المتزايدة، بعدما رفضت الكشف عن تفاصيل اجتماع خاص وسري عقدته مع سفيرة إسرائيل لدى المملكة المتحدة، تسيبي هوتوفيلي، ما أثار جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية البريطانية بشأن الشفافية واستقلال القرار الحكومي عن التأثيرات الخارجية.
وقالت وزارة الثقافة في بيان رسمي إن “الإفصاح عن مضمون الاجتماع قد يضر بالعلاقات الدبلوماسية بين المملكة المتحدة وإسرائيل”، وهو تبرير اعتبره العديد من النواب والناشطين محاولة للتستر على تدخلات إسرائيلية محتملة في القرارات الثقافية والإعلامية البريطانية.
ضغوط واستقالات محتملة
وطالب عدد من النواب من أحزاب المعارضة – وبعض أعضاء حزب العمال نفسه – الوزيرة ناندي بتوضيح طبيعة الاجتماع، وبيان ما إذا كانت قد ناقشت خلاله قضايا تتعلق بحرية التعبير، أو محتوى البرامج الإعلامية، أو التغطيات المتعلقة بالحرب على غزة.
وأشارت وسائل اعلام بريطانية إلى أن “الرفض المتكرر من جانب الوزارة لتقديم تفاصيل رسمية حول اللقاء يُعد سابقة خطيرة في ملف الشفافية الحكومية”، بينما وصف مراقبون الموقف بأنه “اختبار مبكر لمدى استقلال حكومة كير ستارمر أمام نفوذ اللوبي الإسرائيلي”.
وقال أحد النواب عن حزب العمال – طالبًا عدم الكشف عن اسمه – إن “السكوت عن هذا الاجتماع غير المعلن يثير تساؤلات حقيقية حول ما إذا كانت وزيرة الثقافة تتلقى تعليمات أو توصيات من حكومة أجنبية حول سياسات داخلية”.
سياق حساس: الجدل حول حرية التعبير
ويأتي هذا الجدل في ذروة توتر سياسي وإعلامي في بريطانيا، على خلفية الجدل المتواصل حول الخط الفاصل بين انتقاد إسرائيل ومعاداة السامية.
فقد أثار مهرجان غلاستونبري الموسيقي، أحد أكبر الفعاليات الثقافية في البلاد، ضجة واسعة بعد أن ردد بعض الحضور خلال عرض للفنان بوب فيلان هتافات مناهضة للجيش الإسرائيلي، من بينها: “الموت لجيش الدفاع الإسرائيلي”.
ورغم أن الهتافات وُصفت من قبل منظمي المهرجان بأنها احتجاج سياسي ضد العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، فإن الوزيرة ناندي سارعت إلى التنديد بها، معتبرة إياها “معادية للسامية”، ما أثار غضب عدد من النشطاء والحقوقيين الذين رأوا في موقفها تجاهلاً متعمداً للفصل بين انتقاد الاحتلال الإسرائيلي والتعبير عن الكراهية الدينية.
هجوم على BBC وتزايد الشكوك
وتعمّق الجدل أكثر عندما هاجمت ناندي هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) بسبب بث فيلم وثائقي بعنوان “غزة: كيف تنجو من منطقة حرب”، قالت إنه “يعرض رواية أحادية الجانب تبرر أعمال المقاومة وتسيء لصورة إسرائيل”.
وقد اعتُبر هذا الهجوم، بحسب محللين، محاولة سياسية للتأثير في استقلالية الإعلام البريطاني، ما عزز الانطباع بأن الوزيرة تسعى لتقييد مساحة النقاش العام حول القضية الفلسطينية داخل المؤسسات الثقافية والإعلامية.
وقال الخبير في الشؤون السياسية والإعلامية، الدكتور أندرو مورغان، إن “تصرفات ناندي تمثل اتجاهاً مقلقاً داخل حكومة ستارمر، التي تسعى إلى تجنب أي تصادم علني مع إسرائيل حتى على حساب القيم الديمقراطية وحرية التعبير”. وأضاف:“من غير المعتاد أن تُمنع المعلومات المتعلقة بلقاء دبلوماسي من العرض على البرلمان البريطاني، إلا إذا كان هناك محتوى حساس قد يثير حرجاً سياسياً للحكومة.”
تراجع الثقة واتهامات بالتبعية
ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية قد تُضعف موقع ليزا ناندي داخل حكومة كير ستارمر، خصوصاً بعد تصاعد الأصوات المطالبة بفتح تحقيق برلماني في طبيعة الاجتماعات التي تجريها الوزيرة مع ممثلي دول أجنبية، وضرورة الكشف عن أي التزامات أو تفاهمات قد تكون نتجت عنها.
وقال النائب المحافظ توم راندال إن “رفض ناندي الإجابة عن أسئلة البرلمان يُعد استخفافاً بمبدأ المساءلة الديمقراطية”، مضيفاً أن “أي مسؤول حكومي يلتقي ممثلين لدولة أجنبية بشأن قضايا داخلية يجب أن يُلزم بتقديم تقرير رسمي واضح”.
أما الناشطة الحقوقية البريطانية ليلى أحمد، فاعتبرت أن “الصمت الوزاري والتبريرات الدبلوماسية المكررة ما هي إلا غطاء لعلاقة غير متوازنة بين لندن وتل أبيب”، مشيرة إلى أن “الإدارة الثقافية البريطانية أصبحت أكثر حساسية تجاه أي انتقاد لإسرائيل، ما يشير إلى نفوذ متزايد للوبي الإسرائيلي داخل المؤسسات الحكومية”.
حكومة ستارمر بين الحذر والانتقاد
ويحاول رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر تجنّب تحول القضية إلى أزمة سياسية داخل حكومته الجديدة، في وقت يسعى فيه إلى ترميم صورة حزب العمال بعد سنوات من الجدل حول مزاعم “معاداة السامية” خلال عهد جيريمي كوربن. ومع ذلك، يرى مراقبون أن طريقة تعامل ناندي مع الأزمة قد تضع حكومته في موقف دفاعي جديد أمام المعارضة والرأي العام.
وتشير مصادر سياسية إلى أن مكتب رئاسة الوزراء “يتابع عن كثب تداعيات القضية”، وأنه لن يتدخل بشكل مباشر إلا في حال استمرار الضغوط على الوزيرة أو تزايد الدعوات داخل البرلمان لإجراء تحقيق رسمي.
تضع هذه الأزمة حكومة ستارمر أمام اختبار حقيقي بين الالتزام بمبادئ الشفافية والحرية السياسية من جهة، والحفاظ على العلاقات الحساسة مع إسرائيل من جهة أخرى.
أما ليزا ناندي، التي كانت تُعد من الأصوات المعتدلة داخل حزب العمال، فقد تجد نفسها قريباً أمام خيار صعب بين الاستقالة أو الخضوع لتحقيق برلماني مفتوح، في قضية باتت تمثل رمزاً لتأثير السياسة الخارجية على حرية النقاش الداخلي في بريطانيا.
