السلايدر الرئيسيتحقيقات

“هوية العقاب الذهبي”… بين طموح الدولة السورية وسخرية الشعب.. من ساحات دمشق إلى زجاجة نبيذ ألمانية

من سعيد إدلبي

دمشق ـ يورابيا ـ من سعيد إدلبي ـ بينما أعلنت الحكومة السورية عن ما وصفته بـ”الهوية البصرية الجديدة للدولة السورية” تحت شعار “العقاب الذهبي”، انشغل السوريون ليس بتمجيد الهوية بل بالسخرية منها. وفي لحظة واحدة، تحوّل “رمز السيادة والوحدة” إلى مادة تهكم على مواقع التواصل، بعد أن اكتشف البعض شبهًا صارخًا بين الشعار السوري الجديد وشعار مطبوع على زجاجة نبيذ ألمانية فاخرة.

لكن ما بدأ كموجة سخرية مرئية، سرعان ما تكشف عن أزمة أعمق: من يمتلك الحق في تمثيل هوية السوريين؟ وهل يمكن رسم انتماء وطني جديد بمجرد تغيير الشعار؟

في الثالث من تموز 2025، كشفت الحكومة السورية عن الهوية البصرية الجديدة للدولة، متضمنة شعار “العقاب الذهبي” – طائر مفرود الجناحين، يتوسطه ثلاث نجوم ترمز إلى “السيادة والكرامة والاستقلال”، ويمتد كل جناح بـ14 ريشة ليرمز إلى المحافظات السورية. التصميم قُدِّم بوصفه “انبعاثًا لسوريا الجديدة” و”قطيعة بصرية مع إرث النظام السابق”.

الحكومة صاغت هذا التحوّل كخطوة رمزية في مرحلة ما بعد الحرب، تحاول عبرها إنتاج صورة بصرية موحِّدة تمثل “دولة تنبع من إرادة شعبها”، كما قال رئيس الحكومة أحمد الشرع. الاحتفالات المرافقة، من عروض شعبية ووسوم رقمية (#هوية_تجمعنا)، كانت تهدف لترويج الشعار الجديد كقيمة وطنية لا مجرد تصميم.

لكن هذا التقديم الرسمي لم يصمد طويلًا أمام المزاج الشعبي الجريح، الذي سارع لاختزال العقاب الذهبي في صورة زجاجة نبيذ.

الصورة التي أشعلت منصات التواصل الاجتماعي كانت لزجاجة نبيذ ألمانية من ماركة مشهورة تحمل شعار VDP – اتحاد مصنعي النبيذ الألمان – الذي يظهر عليه نسر ذهبي مفرود الجناحين بشكل يكاد يتطابق بصريًا مع “العقاب السوري”.

ومع انتشار الصورة، وُلدت مئات التعليقات الساخرة التي ربطت بين “سيادة الدولة السورية الجديدة” و”مذاق النبيذ الألماني الممتاز”. وكتب أحدهم:”نسرنا الذهبي جاهز… فقط أضف كاس نبيذ ألماني وهوية وطنك تصير بطعم العنب!”

سوريون كثر تساءلوا، بنبرة لا تخلو من الألم: “هل كنا بحاجة لتغيير شعار، أم لتغيير واقع؟ وهل يمكن للعقاب الذهبي أن يطير وسط حطام السياسة والانهيار؟”

رغم التهكم، لم تخلُ الساحة من أصوات رأت أن الهوية الجديدة تمثل على الأقل “محاولة جادة لإعادة لَمّ شمل البلاد بصريًا”. بعض المصممين أشادوا بالتجريد الرمزي المتقن في تصميم العقاب، بينما اعتبر إعلاميون أن الهوية تعيد لسوريا ملامح الدولة الحديثة والمؤسسية.

لكن هذه الآراء كانت محدودة في وجه تيار نقدي واسع. فقد تساءل كثيرون: من اختار هذه الهوية؟ وهل عُرضت على استفتاء شعبي أو مناظرة فكرية؟ هل تمثل فعلًا كل السوريين، أم هي استمرار لمحاولات هندسة الانتماء من أعلى؟

مصممون سوريون احتجوا على غياب الشفافية في اختيار الفريق المنفذ، واعتبروا أن المشروع كان “استعراضًا بصريًا بلا عمق”، يقوم على رمزية فارغة بلا أدوات تنفيذ، ولا خطة لتطبيق الهوية فعليًا على المؤسسات والقطاعات العامة.

الربط بين شعار الدولة وزجاجة نبيذ ألمانية ليس مجرد مزحة، بل صرخة رمزية تعكس فقدان ثقة عميق بين الشعب والسلطة. فالسوريون الذين عانوا من القصف والتهجير والاعتقال، لا يرون في تغيير الشعار حدثًا يستحق الاحتفال، بل تزييفًا لواقع لم يتغير.

التهكم لم يقتصر على الصور، بل جاء أيضًا في كتابات مؤلمة، مثل تغريدة لناشطة سورية قالت فيها:”في دولة الشهداء والمعتقلين واللاجئين… العقاب الذهبي سيبقى شعارًا على ورق، أو على زجاجة.”

الهوية، كما يرى كثير من السوريين، لا تُخلق بشعار جديد، بل من خلال المصالحة، العدالة، والاعتراف بجراح الماضي. وما لم تترافق أي رموز بصرية بخطوات فعلية نحو الدولة المدنية والحقوق، فإنها ستظل عرضة للسخرية – أو على الأقل، للرفض الصامت.

في النهاية، الجدل حول “العقاب الذهبي” لا يتعلّق فقط بالتشابه مع زجاجة نبيذ، بل يُظهر بجلاء أن السوريين لم يعودوا يتعاملون مع الخطاب الرسمي إلا بمرآة السخرية أو التجاهل. إنهم يحتاجون هوية، نعم، لكن هوية تُصاغ من قاع الألم لا من قمم القرار.

وحين يُضحكهم شعار دولتهم، فليس لأنهم ساخرون بطبعهم، بل لأنهم يعرفون أن ما يطير فعلًا ليس العقاب، بل الحقيقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى