السلايدر الرئيسيصحف

نيويورك تايمز: دفن عشرات الفلسطينيين مجهولي الهوية في مقبرة جماعية بغزة وسط استمرار تبادل الرفات بين إسرائيل وحماس

من سعيد جوهر

واشنطن ـ يورابيا ـ من سعيد جوهر ـ قالت صحيفة نيويورك تايمز في تقريرٍ استقصائي من قطاع غزة إن جثامين 54 فلسطينياً مجهولي الهوية دُفنت، اليوم الأربعاء، في مقبرة بمدينة دير البلح وسط القطاع، بعد أن سلّمتها السلطات الإسرائيلية إلى الجانب الفلسطيني، في وقتٍ لا تزال فيه عملية تبادل الرفات بين إسرائيل وحركة حماس جارية ضمن اتفاق وقف إطلاق النار الأخير.

وأضافت الصحيفة أن مراسم الدفن الجماعي جرت بهدوء مهيب، وسط حضورٍ محدود من ذوي المفقودين ومسؤولي وزارة الصحة في غزة، الذين أكدوا أن ثلثي الجثث التي استُعيدت لا تزال مجهولة الهوية بسبب تدهور حالتها الجسدية وصعوبة إجراء فحوص الحمض النووي.

جثث بلا أسماء

وذكرت نيويورك تايمز أن الطواقم الطبية في مستشفى ناصر بمدينة خان يونس، حيث نُقلت الجثث أولاً، حاولت فحصها وتوثيقها قبل دفنها، لكنها لم تتمكن من تحديد هوية معظمها بسبب تحللها أو فقدان معالمها.
وقال الدكتور أحمد ضهير، كبير اختصاصيي الطب الشرعي في المستشفى، إن العديد من الجثث “كانت في حالة صعبة للغاية وتحمل آثار إصابات رضّية وجروح بالغة”، مضيفًا أن تحديد هويتها “أمر شبه مستحيل في ظل غياب الموارد المخبرية اللازمة.”

وأشار الجيش الإسرائيلي في بيانٍ إلى أن القتلى “هم من المقاتلين في قطاع غزة”، غير أن الصحيفة أكدت أنها لم تتمكن من التحقق من هذا الادعاء بشكلٍ مستقل.

مشاهد الحزن والترقب

بعد أداء صلاة الجنازة في دير البلح، وقف عشرات الأهالي على أطراف المقبرة وهم يراقبون الجرافات تنزل الجثامين الملفوفة بالأكياس البيضاء إلى القبور الرملية.
قال متوكل الدغران، 54 عاماً، الذي حضر مراسم الدفن:“إنهم يدفنون أشخاصاً بلا أسماء، ولا سبيل لمعرفة من هم. لديّ ولدان وصهر مفقودون، وربما يكونون بين هؤلاء.”

في محيط المقبرة، رفرفت أعلام حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية خلف مسؤولي المكتب الإعلامي الحكومي المدعوم من حماس، الذين دعوا الصحفيين لمتابعة الدفن ووجهوا انتقادات لإسرائيل بشأن “احتجاز الجثث” لفترات طويلة.

تبادل الرفات وفق اتفاق الهدنة

وأوضحت نيويورك تايمز أن اتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ مطلع هذا الشهر، نصّ على تبادل الجثث بين الجانبين، بحيث تُسلّم إسرائيل جثامين 15 أسيراً فلسطينياً متوفى مقابل كل رهينة إسرائيلي متوفى تعيده حماس.
حتى الآن، أعادت حماس جثامين 15 إسرائيلياً على الأقل، فيما سلّمت إسرائيل نحو 200 جثمان لفلسطينيين، وفق مسؤولين محليين في غزة.

لكن عملية إعادة القتلى، تقول الصحيفة، كانت أبطأ وأكثر تعقيداً من تبادل الأسرى الأحياء. فبحسب مصادر من حماس، تعيق الدمار الواسع الذي خلّفته الحرب ودفن العديد من الضحايا تحت الأنقاض عمليات البحث وانتشال الجثث.

تساؤلات حول ظروف الوفاة

وتقول السلطات الصحية في غزة إن هناك تساؤلاتٍ كثيرة حول كيفية وفاة بعض الجثامين المُعادة، وحول المدة التي ظلت فيها محتجزة داخل إسرائيل. وقال الدكتور ضهير إن بعض الجثث كانت “في حالة تجميد أو تحنيط غير طبيعية”، وإن بعضها الآخر “أُعيد دون أي توثيق رسمي.”

وفي ردٍ على تلك المزاعم، صرّح الجيش الإسرائيلي في بيانٍ رسمي أنه “يتصرف بما يتماشى تماماً مع القانون الدولي الإنساني ويضمن معاملة الرفات باحترام”.

بين الأمل واليأس

وأشارت نيويورك تايمز إلى أن العشرات من العائلات ما زالوا يترددون يومياً على مستشفى ناصر في محاولةٍ للتعرف على ذويهم.
قالت هويدا علي حماد (60 عاماً)، وهي تبحث عن ابن أخيها أحمد سفيان أبو هدة (24 عاماً):“آتي إلى هنا يوميًا لأرى إن كنت أستطيع التعرف عليه — وجهه، ملابسه، أي شيء. من الظلم دفن هذه الجثث دون أن نعرف من هم.”

ريم حماد (21 عاماً)، كانت تقف عند القبر وهي تتابع عملية الدفن الجماعي، قالت بصوتٍ مرتجف:“مشاهدة هذا المشهد لا تُطاق. لا أستطيع تخيّل شعور أم تقف هنا وهي لا تعرف إن كان أحد هؤلاء ابنها.”

إجراءات الحمض النووي ومحاولات التوثيق

قال إسماعيل الثوابتة، المتحدث باسم المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إن السلطات أخذت عينات من الحمض النووي (DNA) لجميع الجثث التي أُعيدت، على أمل أن يساعد ذلك لاحقًا في تحديد هويات أصحابها.
وأضاف:“نحن نحاول حفظ كرامتهم إلى أن تتوفر الإمكانيات للتعرف عليهم. لكننا نتوقع أن تمتلئ مقبرة دير البلح قريبًا.”

ووفقًا لتقارير وزارة الصحة في غزة، تمكنت العائلات من التعرف على نحو 50 جثمانًا فقط منذ بدء التبادل، بينما لا يزال الباقي في انتظار الفحص أو الدفن.

التوتر مستمر رغم الهدنة

ورغم الأجواء المأساوية، قالت نيويورك تايمز إن كلا الجانبين — إسرائيل وحماس — يعلنان التزامهما باتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 13 أكتوبر/تشرين الأول، والذي تضمّن تبادل الأسرى والرهائن.
لكن مسؤولين إسرائيليين اتهموا حماس بـ“التباطؤ” في إعادة رفات الرهائن القتلى، بينما دعت واشنطن إلى “التحلي بالصبر”.

ونقلت الصحيفة عن نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس قوله خلال زيارته لإسرائيل الثلاثاء:“التركيز الآن هو على إعادة الجثث إلى عائلاتها لدفنها بكرامة. هذه عملية معقدة، ولن تحدث بين عشية وضحاها.”

مشهد إنساني يلخّص مأساة الحرب

وختمت نيويورك تايمز تقريرها بالقول إن مشهد الجرافات التي تُواري الجثث في مقبرة دير البلح يُجسّد مأساة الحرب المستمرة في غزة، حيث لا يزال مئات العائلات يعيشون بين أمل العثور على أحبائهم ويأس الفقدان.“إنها ليست مجرد جثث تُدفن،” كتب مراسل الصحيفة في ختام تقريره، “بل قصص حياةٍ لم تُروَ بعد — لشبابٍ وأطفال ونساء، دفنوا دون أن تُعرف أسماؤهم.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى