نيك فوينتس وتاكر كارلسون.. انقسام الحزب الجمهوري الأمريكي حول إسرائيل بين الولاء التقليدي والانعزالية الجديدة
من سعيد جوهر

واشنطن ـ يورابيا ـ من سعيد جوهر ـ يشهد الحزب الجمهوري الأمريكي منذ مطلع عام 2025 واحدة من أكثر لحظاته انقسامًا في تاريخه الحديث، بعد أن تصاعد الجدل داخله حول الموقف من إسرائيل ومستوى الدعم الأمريكي لها.
فبين تيارٍ محافظٍ تقليدي يرى في إسرائيل حليفًا استراتيجيًا لا يمكن المساس به، وتيارٍ قومي شعبوي يقوده مذيعون ومفكرون يمينيون بارزون مثل تاكر كارلسون ونيك فوينتس، باتت خطوط الصدع الأيديولوجي واضحة داخل اليمين الأمريكي، في انعكاس لتحول أعمق في الرأي العام المحافظ.
جذور الصراع: من المحافظين الجدد إلى الشعبويين الجدد
منذ عقود، حافظ الجمهوريون على موقف موالٍ لإسرائيل، خاصة في عهد إدارة جورج بوش الابن، حين صعد نفوذ “المحافظين الجدد” الذين ربطوا دعم تل أبيب بمفهوم “الديمقراطية في الشرق الأوسط”.
لكن مع نهاية حروب العراق وأفغانستان، بدأ تيار متنامٍ داخل الحزب يتساءل عن جدوى تلك التحالفات التي استنزفت المال الأمريكي والجنود دون نتائج ملموسة.
تاكر كارلسون، المذيع السابق في قناة “فوكس نيوز”، أصبح رمزًا لهذا التيار، إذ يرى أن دعم إسرائيل يجب ألا يكون “عقيدة مقدسة”، بل مسألة مصلحة وطنية قابلة للنقاش.
أما نيك فوينتس، الناشط المثير للجدل المعروف بخطابه القومي المتشدد، فيذهب أبعد من ذلك، مهاجمًا النفوذ الإسرائيلي في الإعلام والمؤسسات الأمريكية، ما جعل البعض يتهمه بمعاداة السامية.
هيريتج فاونديشن ودور المؤسسة المحافظة
في المقابل، تقود مؤسسات فكرية مؤثرة مثل هيريتج فاونديشن حملة مضادة تعتبر أن الهجوم على إسرائيل هو هجوم على القيم الغربية ذاتها.
ويصرّ رموز المؤسسة على أن التخلي عن إسرائيل سيقوّض مكانة أمريكا كقائدة “للعالم الحر”، كما يرون أن إسرائيل تبقى الشريك الوحيد الموثوق في الشرق الأوسط وسط تصاعد النفوذ الصيني والإيراني.
ورغم ذلك، يشير مراقبون إلى أن جيلًا جديدًا من المحافظين الشباب بدأ يبتعد عن هذا الخطاب، متأثرًا بموجة القومية الأمريكية التي تضع الداخل فوق كل اعتبار.
ترامب وإرث “أمريكا أولاً”
لا يمكن فهم هذا التحول دون العودة إلى خطاب دونالد ترامب، الذي أعاد تعريف “الوطنية الأمريكية” كأولوية فوق التحالفات.
فبرغم أن ترامب نفسه تباهى بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، فإن إرثه السياسي أطلق نقاشًا داخل اليمين حول “كلفة التحالفات الخارجية”، بما فيها التحالف مع إسرائيل.
ومع انتشار منصات مثل “إكس” (تويتر سابقًا)، تحولت المواجهة إلى حرب أفكار علنية، يشارك فيها إعلاميون ومؤثرون يتحدون التوجهات التقليدية للجمهوريين.
بين معاداة السامية والنقد المشروع
تزداد حساسية النقاش حين يتقاطع مع قضايا الهوية والعرق، إذ يتهم اليسار الأمريكي خصومه من “اليمين الجديد” بتبنّي خطاب معادٍ لليهود تحت غطاء “النقد السياسي لإسرائيل”.
غير أن أصواتًا داخل التيار المحافظ تؤكد أن المسألة لا تتعلق بالعداء الديني، بل بإعادة تقييم العلاقة بما يخدم مصالح واشنطن أولًا.
تقول الكاتبة المحافظة كانديس أوينز: “يجب ألا يتحول دعمنا لإسرائيل إلى التزام أعمى، فالتحالفات تُبنى على المصالح لا على العواطف”.
تداعيات مستقبلية على السياسة الأمريكية
يرى محللون أن هذا الانقسام قد يعيد تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية خلال العقد القادم.
فإذا واصل التيار القومي الشعبوي صعوده، فقد تواجه إسرائيل لأول مرة تراجعًا في الإجماع الحزبي حولها، ما قد ينعكس على المساعدات العسكرية والتمويل السنوي الذي تقدمه واشنطن.
لكن آخرين يعتقدون أن المؤسسة الأمنية والعسكرية ستظل الضامن الأكبر لاستمرار التحالف، معتبرين أن “الخطاب الشعبوي لا يعني بالضرورة تحولًا جذريًا في السياسة العملية”.