من ملف استغلال الأطفال إلى الانقسامات مرورًا بالدبلوماسية… تحديات كبرى أمام البابا الجديد ليو الرابع عشر

الفاتيكان ـ وكالات ـ مع انتخاب الكاردينال الأمريكي روبرت فرنسيس بريفوست، البالغ من العمر 69 عامًا، حبرًا أعظم للكنيسة الكاثوليكية خلفًا للبابا فرنسيس الراحل، تحت اسم ليو الرابع عشر، تبدأ الكنيسة الكاثوليكية مرحلة جديدة محفوفة بجملة من التحديات المعقّدة التي لا تقل شأنًا عن تلك التي واجهت سلفه.
وفي أول تعليق له بعد انتخابه، قال البابا الجديد خلال قداس ترأسه في كنيسة سيستينا أمام كرادلة الكنيسة: “لا يمكننا التوقف، لا يمكننا التراجع”، مؤكدًا أن الطريق أمام الكنيسة ما يزال طويلاً ومليئًا بالمهام الإصلاحية.
وحدة الصف الكاثوليكي في مهب الخلافات
من أبرز المهام التي تنتظر الحبر الأعظم الجديد، رأب الانقسامات المتفاقمة داخل المؤسسة الكنسية، إذ لا تزال الخلافات قائمة بين الجناحين المحافظ والليبرالي. فبينما كان البابا فرنسيس يسعى إلى انفتاح أكبر للكنيسة في قضايا مثل مشاركة النساء والعلمانيين، أثارت سياساته حفيظة المحافظين، خصوصًا في الولايات المتحدة وأفريقيا.
ويُعد انتخاب ليو الرابع عشر في غضون 24 ساعة فقط من بداية المجمع المغلق مؤشرًا على وجود توافق كبير بين الكرادلة، ما يمنحه دعمًا قويًا في بداية حبريته. غير أن التحدي الأكبر سيكون في كيفية التعامل مع إرث سلفه، لا سيما في ما يتعلق بمسار “السينودسية” الذي أراده البابا فرنسيس كآلية تشاركية تُشرك جميع مكونات الكنيسة في اتخاذ القرار.
ملف الاعتداءات الجنسية: الجرح المفتوح
رغم الإصلاحات التي أطلقها البابا فرنسيس، وأبرزها إلزام رجال الدين بالإبلاغ عن الانتهاكات وفتح أرشيف الفاتيكان أمام القضاء المدني، ما تزال فضيحة الاعتداءات الجنسية على الأطفال تمثّل تحديًا أخلاقيًا ومعنويًا للكنيسة، وسط انتقادات من منظمات الضحايا التي تعتبر أن الإجراءات لا تزال قاصرة عن وضع حد لهذا الملف المزمن.
وفي مناطق مثل أفريقيا وآسيا، لا يزال الحديث عن هذه الانتهاكات من المحرّمات، فيما لم تبدأ دول أوروبية كإيطاليا بعدُ أي تحقيقات مستقلة بشأن الانتهاكات داخل أراضيها، ما يضع الفاتيكان والبابا الجديد أمام مسؤولية مضاعفة.
الدبلوماسية البابوية في عالم مشتعل
كونه رأس دولة الفاتيكان، إلى جانب قيادته الروحية لأكثر من 1.4 مليار كاثوليكي حول العالم، فإن البابا ليو الرابع عشر سيكون لاعبًا مؤثرًا في ملفات النزاعات الدولية، من أوكرانيا إلى غزة والسودان.
لكن هذا الدور محفوف بالمخاطر، إذ أثارت تصريحات البابا فرنسيس السابقة جدلاً واسعًا، حتى مع حلفاء تاريخيين مثل الولايات المتحدة وإسرائيل. ويرى مراقبون أن انتخاب بريفوست إشارة ضمنية إلى نأي الفاتيكان بنفسه عن تيارات القومية المسيحية المتنامية في الولايات المتحدة.
المرأة في الكنيسة: تطلعات مؤجلة
رغم خطوات رمزية اتُخذت في عهد فرنسيس، مثل تعيين راهبة في منصب قيادي داخل إحدى دوائر الفاتيكان، فإن مطالب إشراك النساء في أدوار كهنوتية لا تزال تُقابل بممانعة. ففي آخر اجتماع “سينودسي” في أكتوبر الماضي، خيّبت التوصيات آمال الإصلاحيين الذين كانوا يطالبون بالسماح للنساء بأن يصبحن شمامسة، وهي رتبة تُعد طريقًا نحو الكهنوت.
تراجع أعداد الكهنة والتحديات الروحية
من التحديات الهيكلية التي تواجه البابا الجديد، التراجع المستمر – ولو بوتيرة بطيئة – في أعداد الكهنة حول العالم، حيث سجّل الفاتيكان انخفاضًا طفيفًا بنسبة 0.2% بين عامي 2022 و2023. وفي حين تستمر الكنيسة في النمو في أفريقيا وآسيا، فإن الحضور الكاثوليكي آخذ في الانحسار في أوروبا، حيث تواجه الكنيسة منافسة قوية من الكنائس الإنجيلية، خاصة في القارة الأفريقية.
وفي أول قداس له بعد انتخابه، وجه البابا ليو الرابع عشر انتقادًا حادًا لواقع الإيمان المعاصر، مشيرًا إلى أن كثيرين باتوا يعتبرون الدين “عبثيًا” ويفضّلون عليه المال والتكنولوجيا والنجاح. وانتقد النظرة السطحية إلى السيد المسيح، والتي تصوره كـ”بطل خارق”، قائلاً إن ذلك يختزل جوهر الإيمان ويدفع بعض المؤمنين إلى الإلحاد العملي.
التحدي المالي: العجز المزمن في ميزانية الفاتيكان
على الصعيد المالي، ورث البابا الجديد مؤسسة تعاني من عجز مزمن في ميزانيتها. فقد أعلن الفاتيكان أن عجزه المالي بلغ نحو 70 مليون يورو في عام 2023، فيما وصلت الإيرادات إلى 1.2 مليار يورو. ورغم الإصلاحات التي أجراها فرنسيس في منظومة الشؤون المالية، إلا أن التبرعات تواصل الانخفاض، ما يزيد من صعوبة إدارة الشؤون اليومية لدولة الفاتيكان ومؤسساتها العالمية.
العلاقات مع الصين والذكاء الاصطناعي وتغير المناخ
تضاف إلى هذه التحديات ملفات استراتيجية أخرى مثل العلاقة المعقدة مع الصين، وخصوصًا ما يتعلق بتعيين الأساقفة في البلاد، فضلًا عن القضايا العالمية التي تزداد إلحاحًا مثل الذكاء الاصطناعي، وتغير المناخ، والهجرة، والتي تضع الكنيسة أمام ضرورة إعادة تموضع أخلاقي وسياسي في عالم متغير.
نحو نمط قيادة جديد؟
أخيرًا، سيكون على البابا ليو الرابع عشر تحديد نمط قيادته الخاص. ففي حين كسر البابا فرنسيس التقاليد الإدارية من خلال إقامته المتواضعة في “بيت القديسة مارتا” وتواصله الشخصي مع الناس، اتُّهم أحيانًا بالاستبداد في اتخاذ القرار. الآن، ستكون الأنظار متجهة إلى كيفية تعامل الحبر الجديد مع مسؤولياته، وإن كان سيسير على نهج سلفه أو يرسم لنفسه مسارًا جديدًا يجمع بين الحزم والانفتاح.