من السفارة إلى الأمن… سلسلة تغييرات تحت عنوان “الإصلاح” يقودها عباس ونجله في لبنان… وانباء عن قرب اقالة عزام الأحمد
من الياس الياس

بيروت ـ يورابيا ـ من الياس الياس ـ رغم الهدوء الظاهري الذي رافق عملية التسلّم والتسليم داخل قيادات الأمن الوطني الفلسطيني في مناطق اللاجئين بلبنان، فإن ما جرى لا يمكن عزله عن تصاعد التوترات السياسية داخل حركة “فتح”، وتحديداً في ظل توجهات الرئيس محمود عباس لتصفية خصومه وتعزيز قبضة دائرته الضيقة على القرار الفلسطيني في الداخل والخارج، بدءاً من الضفة الغربية ووصولاً إلى المخيمات الفلسطينية في لبنان.
فقد تم تمديد ولاية اللواء صبحي أبو عرب على رأس قوات الأمن الوطني الفلسطيني في لبنان لثلاثة أشهر إضافية، قابلة للتمديد، في خطوة توصف بأنها “فترة انتقالية”، بينما يبدو أن مسألة تعيين قائد جديد لهذه القوات قد أُرجئت بسبب خلافات داخل القيادة حول الأسماء والولاءات والانتماءات، وكذلك تحسّباً من أي انفجار محتمل داخل المخيمات التي تعيش على فوهة توتر أمني دائم.
السلاح الفلسطيني: من ورقة توازن إلى أداة تصفية
المخيمات الفلسطينية في لبنان، التي طالما كانت ساحة اشتباك سياسي وإقليمي، تجد نفسها اليوم في قلب معركة متعددة الطبقات. فمن جهة، تلوّح السلطة الفلسطينية بورقة “سحب السلاح الفلسطيني”، كما طرحها الرئيس عباس، في محاولة لاسترضاء الدولة اللبنانية من جهة، وتطويق نفوذ خصومها من جهة أخرى، وعلى رأسهم قوى إسلامية أو قومية معارضة لنهج أوسلو والتنسيق الأمني.
لكن في العمق، يتحدث كثيرون عن أن الحديث عن سحب السلاح ليس سوى واجهة لعملية أعمق وأكثر خطورة، تهدف إلى “تنظيف الساحة اللبنانية” من الأصوات المعترضة على نهج القيادة في رام الله، وتصفية الحسابات مع بعض القادة الميدانيين والكوادر المحسوبين على تيارات فتحاوية لم تعد تدور في فلك السلطة.
من السفارة إلى الأمن… سلسلة تغييرات تحت عنوان “الإصلاح“
ما جرى في بيروت خلال الأسابيع الأخيرة، من إنهاء لمهام السفير الفلسطيني أشرف دبور، وصولاً إلى إعادة هيكلة المنظومة الأمنية داخل المخيمات، لا يُفهم فقط بوصفه “عملية ترتيب إداري”، بل هو بحسب مصادر مطّلعة جزء من حملة شاملة أطلقتها السلطة لتصفية المراكز والقوى التي تشكّل إما تهديداً لنهج عباس أو مصدر إزعاج سياسي داخل الساحة اللبنانية.
وقد شملت الحملة، بحسب المصادر، فتح ملفات مالية حساسة، منها بيع ممتلكات منظمة التحرير، وإنشاء جمعيات “موازية” كجمعية خدمات طبية بديلة عن الهلال الأحمر، إضافة إلى تأسيس قناة تلفزيونية جديدة تحت اسم “فلسطيننا” رغم وجود قناة فلسطين الرسمية، وذلك من دون معرفة إذا ما كانت هذه المشاريع تمت بموافقة المؤسسة أو كجزء من شبكة مصالح شخصية.
المثير أن هذه التحقيقات تُدار مباشرة بإشراف الضابط محمد العمري، المكلّف من قبل مدير المخابرات العامة الفلسطينية ماجد فرج، ما يعكس الطابع الأمني الصارم الذي تتبعه رام الله في ملاحقة خصومها، لا سيما في الساحة اللبنانية التي تعتبرها ذات حساسية سياسية خاصة.
عزام الأحمد في عين العاصفة
أحد أبرز المؤشرات على عمق الانقسام داخل القيادة الفلسطينية، هو الحديث المتزايد عن قرب إقالة عزام الأحمد، المشرف على الساحة اللبنانية وأمين سر منظمة التحرير هناك. الأحمد، الذي يُعد من المحسوبين تاريخياً على الخط التقليدي في “فتح”، أصبح هدفاً مباشراً لحملة عباس بعدما وجّه انتقادات علنية لطريقة إدارة الرئيس للسلطة، لا سيما في ما يتعلق بـ”تسرّعه في اتخاذ قرارات مصيرية، وتغليب مصالح أبنائه الشخصية في السلطة والمنظمة على حساب المؤسسات“.
وإذا ما صحّت التوقعات، فإن إعفاء الأحمد سيكون أهم تحول تنظيمي في فتح لبنان منذ سنوات، وقد يمهد لتغييرات جذرية في بنية القيادة الفتحاوية داخل المخيمات، بما في ذلك تبديل الأمنيين المحليين واستبدالهم بعناصر أكثر ولاءً للقيادة المركزية في الضفة.
حالة ترقّب في المخيمات… واستثمار إسرائيلي في الفوضى
على الأرض، تعيش المخيمات الفلسطينية في لبنان – ولا سيما عين الحلوة – حالة من الترقّب المشوب بالقلق، وسط غياب رؤية سياسية واضحة للمرحلة المقبلة، وتراجع في الخدمات الأساسية، وغياب التمثيل الوطني الجامع. ويخشى كثيرون أن يؤدي هذا الفراغ، مع تصاعد التوتر بين فتح ومنافسيها، إلى انفجارات أمنية جديدة، قد تستغلها أطراف خارجية لتعزيز اختراقها للبيئة الفلسطينية في لبنان، تحت عنوان محاربة “الإرهاب” أو الحد من “السلاح غير الشرعي“.
هل من أفق للتهدئة؟
في ظل كل هذه التطورات، يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع عباس فعلاً فرض تغييرات جذرية في لبنان من دون الانزلاق إلى مزيد من الصراع الفتحاوي – الفتحاوي؟ وهل يملك ما يكفي من الشرعية داخل المخيمات ليخوض هذه المعركة من دون دعم إقليمي حقيقي؟
الأرجح أن ما يجري اليوم في بيروت ليس إلا بداية مرحلة تصعيدية جديدة داخل البيت الفلسطيني، عنوانها الظاهر “محاربة الفساد”، لكن جوهرها إعادة هيكلة السيطرة واحتكار القرار، وسط واقع إقليمي متحرك، وساحة لبنانية هشة، ومخيمات لم تعد تحتمل المزيد من النزاعات الداخلية.