أقلام يورابيا

مصر بين نيران العبث الإقليمي وصوت العقل العربي.. حين تصبح الزعامة الوهمية أغلى من دماء الأبرياء

أحمد المصري

في لحظة تاريخية مشحونة بالتوتر، انعقدت قمة شرم الشيخ وسط نيران الحرب في غزة، وتزايد نزيف الدم العربي في أكثر من ساحة. لكن ما كُشف في كواليس القمة وبعدها تجاوز حدود المأساة، ليكشف عن خلل أعمق في أولويات بعض العواصم العربية، وعلى رأسها الرياض وأبوظبي، اللتين لم تنشغلا بكيفية وقف القصف، أو حماية المدنيين، أو إعادة الإعمار، بقدر ما كان تركيزهما منصبًّا على نزع سلاح حماس وإنهاء دورها تمامًا، حتى لو كان ذلك على حساب وحدة الصف الفلسطيني، أو استقرار الإقليم.

وفي مواجهة هذا الطرح المتسرع، برز الدور المصري بقوة، ليس فقط كوسيط تقليدي، بل كقوة عقلانية جامعة تسعى لحلول سياسية تحفظ الدم وتحمي التوازنات. رفضت القاهرة الانسياق وراء طرح نزع السلاح في هذه المرحلة، واعتبرته تفجيرًا إضافيًا للمشهد لا تهدئة له. فكان الرد الخليجي انسحابًا من التمثيل العالي بالقمة، وتهديدًا بعدم المساهمة في إعمار غزة، بل ومحاولة خبيثة للالتفاف على مصر عبر فتح خطوط اتصال مع واشنطن بهدف التحريض عليها، بزعم دعمها لحماس.

ما فعلته القاهرة ليس مجرد رفض لطرح لا يتماشى مع الواقع، بل موقف سيادي راسخ ينطلق من رؤية استراتيجية عميقة: أن القضية الفلسطينية لا تُحلّ بالمناورات، ولا بالإقصاء، ولا بتجريد الأطراف من أدواتها تحت القصف، بل عبر عملية شاملة تستند إلى الحقوق، والعدالة، والتمثيل الحقيقي وبالنهاية الى دولة فلسطينية.

مصر، بما لها من تاريخ طويل في الوساطة بين الفصائل الفلسطينية، لا تتبنّى طرفًا على حساب آخر (كما فعلت الدوحة لسنوات)، بل تتبنّى المنهج الوطني الفلسطيني الشامل، وتدافع عن وحدة القرار، وتمنع تفتيت الكيانات كما يُراد.

وفي الوقت الذي تتوزّع فيه بعض العواصم أدوار المحاور والاصطفافات، تظل مصر متمسكة بدورها القومي، كصوت توازن واتزان، لا تستدرجها حروب الزعامة الوهمية، ولا تضع مصالحها القومية في سلة أحد، لا في واشنطن ولا في أي عاصمة أخرى.

أبعد من غزة، تتّسع الرؤية المصرية لتشمل الأمن القومي العربي من البحر إلى الخليج. ففي يونيو الماضي، أعلنت السعودية عن قاعدة أمريكية جديدة في مدينة ينبع على ساحل البحر الأحمر، لترد القاهرة مباشرةً عبر وزير خارجيتها، معلنةً أن مصر لن تقبل بوجود قواعد عسكرية لدول غير مشاطئة على البحر الأحمر.

هذا الموقف المصري ليس مجرد اعتراض على تموضع جيوسياسي جديد، بل رسالة واضحة بأن البحر الأحمر ليس ساحة مستباحة، وأن التوازن الأمني في المنطقة لا يجب أن يُرسم من خارجها، ولا أن يُفرض عبر ترتيبات لا تُراعي حقوق الآخرين.

هذا الموقف لا يعكس فقط وعيًا استراتيجيًا عاليًا، بل يكرّس مفهوم القيادة المسؤولة، لا المتعجّلة ولا الخاضعة لضغوط المال أو واشنطن.

وفي السودان، حيث تُرتكب يوميًا مآسٍ إنسانية تفوق في خطورتها ما حدث في غزة، تظل مصر تُنادي بحلّ سياسي شامل، بينما يواصل آخرون تغذية الصراع بالسلاح والمال، بحثًا عن نفوذ أو “شرعية” متخيلة.

مصر، بقربها الجغرافي والوجداني من السودان، تدرك أن أمن الخرطوم هو جزء لا يتجزأ من أمن القاهرة. لكنها، بعكس البعض، لا تتعامل مع الأزمة السودانية كفرصة لتصفية الحسابات أو تثبيت النفوذ عبر وكلاء الحرب، بل كأزمة يجب أن تُحل بالحوار لا بالتفجير.

منذ سنوات، راهن البعض على أن مصر ستتراجع عن دورها، أو ستُجبَر على مسايرة ضغوط المال، أو أن واشنطن ستفرغ موقفها القومي من مضمونه. لكن كل المحطات أثبتت العكس: مصر لم تشارك في صفقات التطبيع الأخيرة، ولم تتخلَّ عن غزة .رغم التكاليف السياسية، ورفضت الرضوخ لمحاولات التحريض والضغط.

هي الدولة العربية الوحيدة تقريبًا التي لا تزال تحتفظ بقرارها السياسي السيادي، وتتعامل مع كل ملف وفقًا لمصلحتها القومية، لا وفقًا لمزاج السوق السياسي الخليجي.

ما تفعله مصر ليس مثاليًا بالضرورة، لكنها تبقى الصوت العقلاني المتماسك في مشهدٍ عربي يغلب عليه الانفعال أو التواطؤ. في غزة، تحاول جمع الفصائل على كلمة سواء. في السودان، تسعى للحل بدل إشعال النار. وفي البحر الأحمر، تضع خطوطًا حمراء تحمي بها أمنها القومي والإقليمي.

في المقابل، يسعى آخرون لتقزيم دورها، أو تشويه موقفها، لأنهم يعلمون أن وجود مصر القوية يعني أن الزعامة الزائفة لا مكان لها.

التاريخ لن يرحم أحد، لكن الأكيد أن التاريخ سيُسجِّل لمصر، أنها في زمن الانكسارات، وقفت وحدها، تدافع عن ما تبقّى من كرامة عربية، وعن موقعها الطبيعي كـ قلب الأمة النابض، وضميرها حين تخون الضمائر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى