مجلة امريكية: مصر راهنت على الغاز فاستفاقت على التبعية… هل وقعت القاهرة في فخ تل أبيب؟
من سعيد هنداوي
القاهرة ـ يورابيا ـ من سعيد هنداوي ـ في تحليل مطوّل، سلّطت مجلة “ريسبونسبل ستيتكرافت” الأمريكية الضوء على ما وصفته بـ”الرهان الخاطئ” الذي قاد مصر إلى الاعتماد شبه الكامل على الغاز الإسرائيلي، مشيرة إلى أن السياسات فيما يخص الطاقة التي اتبعتها القاهرة في العقد الأخير، بدت في ظاهرها طموحة، لكنها أفضت إلى تبعية جيوسياسية مُحرجة قيدت استقلال القرار المصري.
من الاكتفاء الذاتي إلى الاستيراد من تل أبيب
تعود المجلة إلى عام 2015 حين تم الإعلان عن اكتشاف حقل “ظهر” العملاق، الذي رُوّج له حينها كمنقذ اقتصادي ومصدر للنفوذ الإقليمي. فقد وعدت الحكومة المصرية بأن الحقل سيمكن البلاد من تحقيق الاكتفاء الذاتي وتصدير الغاز لأوروبا، لتتحوّل مصر إلى “مركز إقليمي للطاقة”. وبالفعل، في عام 2018، أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي تحقيق هذا الهدف.
غير أن المجلة تُشير إلى أن تراجعًا حادًا وغير متوقع بدأ يُصيب إنتاج الحقل بعد سنوات قليلة فقط، نتيجة مشكلات تقنية واستعجال سياسي للإنتاج، مما أضر بالبنية الجيولوجية للحقل. وبدلاً من أن تكون مصر مُصدّرة، عادت بحلول 2023 إلى خانة الدول المستوردة للغاز الطبيعي، مع اعتماد متصاعد على الغاز القادم من إسرائيل.
72% من واردات مصر الغازية مصدرها إسرائيل
وفقًا لتقديرات استعرضتها ريسبونسبل ستيتكرافت، باتت واردات الغاز الإسرائيلي تشكل نحو 72% من الغاز المستورد إلى مصر في عام 2024، ما يعني أن أمن الطاقة المصري بات رهينة مباشرة للقرار السياسي الإسرائيلي – أو في أفضل الأحوال، لتقلبات السوق والأمن في حوض المتوسط.
وقد تكرّست هذه الهشاشة مع اندلاع الحرب بين إسرائيل وحماس في أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث تم توقيف إمدادات الغاز إلى مصر مرارًا بذريعة “الاعتبارات الأمنية”، ما اعتبرته المجلة “ابتزازًا بالطاقة” مغلفًا بغطاء تقني.
الغاز كسلاح سياسي في صراع غزة
تشير المجلة إلى أن الحسابات المصرية المعقدة تجاه الحرب على غزة تُقيدها الحاجة إلى الحفاظ على تدفق الغاز. فبينما ترفض القاهرة بشدة أي محاولة إسرائيلية لتهجير سكان القطاع إلى سيناء، فإنها تدرك في الوقت ذاته أن أي مواجهة مباشرة مع تل أبيب قد تفضي إلى قطع الإمدادات، ما يُهدد الأمن الداخلي المصري نفسه.
كما تبرز المجلة أن الموقف المصري المُحجم عن التصعيد، وغياب تعيين سفير جديد في تل أبيب منذ بدء الحرب، يخفي حقيقة أعمق: قوة مصر الإقليمية باتت مقيدة بقوة أنابيب الغاز القادمة من إسرائيل.
أزمة داخلية معقّدة.. نقد أجنبي.. لاجئون.. طلب متزايد
تُفاقم هذه التبعية أزمة داخلية خانقة، فمصر تُعاني أصلًا من نقص مزمن في العملة الصعبة، ومتأخرات كبيرة لشركات الطاقة العالمية، إلى جانب ضغوط هائلة ناجمة عن نزوح أكثر من 1.2 مليون لاجئ سوداني بعد الحرب في السودان، وهو ما رفع الطلب المحلي على الكهرباء والغاز.
ترى المجلة أن هذه التحديات وضعت مصر في مأزق مستدام، فلا هي قادرة على التراجع عن استيراد الغاز، ولا يمكنها تحمل تعطله، لا سيما في فصل الصيف الذي يشهد ذروة الاستهلاك.
خطة إنقاذ معقّدة وطويلة الأمد
تسرد المجلة محاولات مصر للخروج من هذه الأزمة عبر محورين: الأول خارجي، يشمل تعزيز التعاون مع تركيا وقطر، وتوقيع اتفاقيات لاستيراد الغاز المسال، بما في ذلك استئجار وحدة تركية لإعادة تحويل الغاز. والثاني داخلي، من خلال تسريع عمليات الاستكشاف المحلي، وإعلان 75 بئرًا جديدة و40 كشفًا خلال عام.
لكن ريسبونسبل ستيتكرافت تُحذر من أن هذه الحلول، رغم ضرورتها، تحتاج إلى سنوات حتى تُترجم إلى نتائج ملموسة، بينما يبقى الاستهلاك اليومي وتذبذب الإمدادات واقعًا ضاغطًا.
الدرس القاسي.. لا أمن قومي دون أمن الطاقة
في خلاصة تحليلها، ترى المجلة أن “الحلم المصري بالتحوّل إلى مركز للطاقة بالمنطقة” تحوّل إلى عبء استراتيجي، وأن القاهرة باتت اليوم رهينة لتوازنات سياسية واقتصادية دقيقة، أهمها علاقتها بإسرائيل.
وتخلص المجلة إلى أن مصر بحاجة إلى إعادة بناء سياساتها فيما يخص الطاقة من أساسها، على قاعدة التنويع، والتخلي عن الحلول قصيرة الأجل، مع الاستثمار الجدي في الطاقة المتجددة والسيادة الإنتاجية، وإلا فستظل معرّضة للضغوط والابتزاز كلما اشتعلت جبهة سياسية في المنطقة.
