أقلام يورابيا

كلاب السلطان الجائر.. لكل نباح نهاية

كيرلس عبد الملاك

يورابيا – قال السيد المسيح في حديثه عن الوعي الروحي: “لا تعطوا القدس للكلاب ولا تطرحوا درركم قدام الخنازير لئلا تدوسها بأرجلها وتلتفت فتمزقكم” ولم يقصد المسيح أن يحقّر من الكلاب والخنازير خليقة الله في وصيته هذه أو يجعل منها كائنات نجسة إنما قصد أن يصف بها غير الواعين بقيمة المقدسات، قاصدا الإشارة إلى صفة عدم الوعي التي تتميز بها هذه الحيوانات الأليفة لكي يلصقها ببعض البشر ممن ينتسبون وينتمون إلى انتماءات ومعتقدات خاطئة دون امتلاك الوعي الذي يتميز به الإنسان عن سائر الخليقة.
بالقطع، يعد الكلب أمثولة الوفاء لصاحبه، يُضرب به المثل دائما في النقاء القلبي والتضحية العمياء، لكن ماذا لو كان صاحبه هذا مجرما أو محتالا؟ حينها سيكون ذلك الكلب وفيا للإجرام والاحتيال وذلك يرجع إلى أنه لا يمتلك عقل ناضج يمنحه القدرة على التمييز بين الخطأ والصواب، وهنا يصير ذلك الكلب الوفي ضحية لصاحبه الشرير الذي استغل عدم وعيه في جذبه إلى طريقه الملتوية وجعله مكبلا بها، شرسا تجاه الطريق الصائب، معاديا للحق.
ولكن إذا استطعنا أن نصف الكلب بالضحية لعدم امتلاكه الوعي فإننا على النقيض لا نستطيع أن نلتمس العذر للإنسان العاقل الذي رضي أن يتنازل عن وعيه لصالح شخص أو انتماء ما، ذاك الإنسان الذي منحه الله القدرة على التمييز بين الجميل والقبيح، بين الصالح والطالح، بين الفضيلة والجريمة، لأنه إذا تنازل عن الوعي فقد تنازل بإرادته الكاملة، وإذا تجرد من العقل فقد تجرد بمشيئته الخالصة، ولو افترضنا أنه ولد في بيئة مشحونة بعدم الوعي فعقله البشري جدير بأن يحرره مما أصابه من غشاوة إذا أراد هو ذلك.
من البشر من نستطيع أن نصفهم بـ “كلاب السلطان الجائر” تجدهم يصدّرون النباح في وجه كل من تسوّل له نفسه انتقاد سلطانهم، حتى يشيعون الرهبة والخوف على الجميع فيصير الانتقاد جريمة ويصبح الرأي المختلف تعدي لا يغتفر، هؤلاء قيمتهم ليست في جوهرهم، في صفاتهم الإنسانية أو أفعالهم السامية أو أفكارهم الراقية، إنما قيمتهم تقبع في نباحهم الذي إذا فقدوه فقدوا مكانتهم لدى السلطان وفقدوا أرباحهم التي اكتسبوها من عرق نباحهم، يستخدمهم السلطان إلى أن تمرض حنجرتهم أو تحترق سمعتهم أيهما أقرب، فهم بالنسبة له عبيد في حقله أمثالهم الكثيرين من بائعي وعيهم في سوق العار والمهانة، إنهم لا يهتمون بالسير في الطريق الصحيح إنما يقع كل اهتمامهم على حصد المصالح مادية كانت أو معنوية مهما كلفهم ذلك من ثمن.
ذوي الكرامة يتعجبون من الانحطاط الذي وصل إليه هؤلاء لكن الطمع في نيل المكاسب الشخصية يفسر ذاك الانحطاط، يكفي أنهم في حمى السلطان ويعيشون في كنفه ضمن حاشيته حتى يأتمرون بأمره ويخضعون لإشارته، ربما لا يعلمون أن السلطان نفسه ينظر إليهم في احتقار وتصاغر حتى لو حمل وجهه الابتسام والسرور تجاههم تبقى الحقيقة في قلبه ساكنة وهي أن قيمتهم رخيصة لديه، فالرجل ربما يبتسم في وجه العاهرة التي ينحدر معها إلى مستنقع الرذيلة لكنه في حقيقة الأمر يحمل تجاهها نظرة دونية، إنها بالنسبة له مجرد لعبة يفرغ فيها شهوته حتى إذا ما انتهى من إفراغ شهوته يلقيها جانبا كأمثالها رافضا أن تكون جزءا من حياته.
كلاب السلطان الجائر يعيشون في توتر، في خوف وارتباك، بعكس ما يحملونه من سلام وغنى ظاهري، نباحهم يزيد أفعالهم الخاطئة وأفعالهم الخاطئة تزيد ذنوبهم وآثامهم ما يدفعهم للاستمرار في النباح ليس دفاعا عن سلطانهم فقط لكن دفاعا عن وجودهم أيضا، وخوفا من المساءلة التي قطعا سوف تطالهم إذا ما نزل السلطان عن عرشه، لذلك فهم مازالوا ينبحون، يخيفون، يهددون، لكنهم في وقت ما سوف يتبخرون، سوف تدهسهم عجلة الزمن ليذهبوا بلا رجعة مع من امتلكهم بغروره وظلمه حينما يجلس سلطان آخر على ذاك العرش عينه، حينها سيكون التاريخ قد تحرر من قيوده لكي يدون قصة البشر مع هؤلاء المرتزقة فيكتب أسمائهم في أسود الصفحات وأكثرها مرارة وظلما.. وا أسفاه، ليتهم يفيقون قبل فوات الأوان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى