
في كلمته الأخيرة أمام مجلس الشيوخ الأميركي، وجّه وزير الخارجية ماركو روبيو جرس إنذار حادًّا بشأن المسار السوري، محذرًا من أن البلاد تقف على مسافة أسابيع، لا أشهر، من “انهيار محتمل للسلطة الانتقالية” واندلاع “حرب أهلية شاملة ذات أبعاد مدمرة”. هذا التصريح، بقدر ما يعبّر عن قلق بالغ داخل الإدارة الأميركية، يفتح الباب واسعًا أمام تساؤلات جدّية تتعلّق بجدوى المقاربة الحالية للملف السوري، ومدى واقعية الرهانات على النظام الجديد في دمشق.
العودة إلى لحظة التحوّل
منذ وصول الرئيس السوري الجديد، أحمد الشرع (المعروف سابقًا بأبي محمد الجولاني)، إلى سدة الحكم في إطار تسوية انتقالية رعَتها قوى إقليمية ودولية، ساد نوع من التفاؤل الحذر بشأن مستقبل البلاد. إلا أن الانقسامات الداخلية ضمن التركيبة الحاكمة الجديدة، إضافة إلى تعثّر برامج إعادة الإعمار وغياب التوافق الوطني العريض، سرعان ما أعادت سوريا إلى دائرة الاهتزاز. وفي هذا السياق، تبرز تحذيرات روبيو كتشخيص مباشر لفشل المرحلة الانتقالية في إنتاج منظومة حكم مستقرة، قادرة على استعادة الثقة الشعبية وتحييد الفصائل المسلحة.
منطق التحذير… وواقعية المصالح
تحذير روبيو من عودة سوريا إلى مربع الحرب لا يُقرأ بمعزل عن المخاوف الأميركية المتزايدة من تحوّل البلاد مجددًا إلى بؤرة للفوضى العابرة للحدود. فمن وجهة نظر واشنطن، أي انفلات جديد في سوريا سيعيد تكرار تجربة ما بعد 2011، حين تحوّلت البلاد إلى مرتع للتنظيمات الجهادية، في مقدمتها “داعش” و”جبهة النصرة”، التي – كما يذكّر روبيو – أعادت إنتاج نفسها تحت مسمّى “هيئة تحرير الشام” بزعامة الجولاني.
لكن المثير للانتباه في تصريحاته هو دفاعه عن قرار الرئيس دونالد ترامب برفع العقوبات عن سوريا وفتح قنوات التواصل مع النظام الجديد. فبين تحذيرٍ من الانهيار ودفاعٍ عن سياسة الانفتاح، يبدو أن روبيو يُدرك تعقيدات التوازن بين الاحتواء والانخراط، وأن البديل عن دعم السلطة الانتقالية – رغم هشاشتها – قد يكون الانزلاق مجددًا إلى فوضى لا يمكن احتواؤها لاحقًا.
واشنطن والرهان المزدوج: الاستقرار أم القطيعة؟
يعكس خطاب روبيو تناقضًا بنيويًا في السياسة الأميركية حيال سوريا. فبينما تحرص واشنطن على تجنب انهيار الدولة السورية، فإنها في الوقت ذاته تجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع سلطة انتقالية تتكوّن من قوى كانت حتى الأمس القريب تُصنَّف على لوائح الإرهاب. هذا التوتر بين الواقعية السياسية والأحكام الأخلاقية القديمة يعيد التذكير بمأزق “البراغماتية المتأخرة” التي لطالما طبعت السياسة الأميركية في الشرق الأوسط.
بل إن تذكير روبيو بـ”أثر الدومينو” الذي أحدثته الانتفاضة السورية عام 2011، يشير إلى قناعة راسخة بأن أي فوضى سورية جديدة ستترك بصماتها السلبية على مجمل الإقليم، من العراق ولبنان، إلى تركيا والأردن، وصولًا إلى مصالح واشنطن المباشرة في محاربة الإرهاب وضمان أمن إسرائيل.
قراءة في ما لم يُقال
رغم نبرته التحذيرية، لم يأتِ روبيو على ذكر الدور الروسي أو الإيراني في سوريا، ما قد يعكس إدراكًا أميركيًا بأن ميزان القوى على الأرض لا يزال يميل لصالح موسكو وطهران، وأن أي ضغط أميركي مفرط قد يترك الساحة مفتوحة أمام المزيد من التمدد الإيراني، أو حتى صعود فصائل معارضة راديكالية جديدة من رماد الخيبات الشعبية.
كما أن الحديث عن “تقسيم فعلي للبلاد” في حال الانهيار، يحمل في طيّاته إشارة ضمنية إلى أن السيناريو الأسوأ قد لا يكون مجرد فوضى، بل ربما رسم حدود جديدة لكيانات محلية على أساس طائفي أو إثني، في ظل تصاعد نزعات الانفصال في الشمال الشرقي وسهول حوران.
يبقى القول إن تحذيرات وزير الخارجية الأميركي ليست مجرّد توصيف لحالة راهنة، بل تُعبّر عن صراع داخلي بين مقاربتين: واحدة ترى في السلطة الانتقالية فرصة أخيرة للحفاظ على وحدة سوريا واستقرارها، وأخرى تُشكك في قدرتها على تجاوز إرث الصراعات والدماء. وبين هاتين الرؤيتين، تبدو الإدارة الأميركية وكأنها تمشي على حبل مشدود، تخشى الانهيار ولكنها عاجزة عن فرض حل.
في نهاية المطاف، تبقى الأسئلة مفتوحة: هل تملك واشنطن فعليًا أوراق التأثير الكافية لإنقاذ السلطة الانتقالية في دمشق؟ أم أن الأمور باتت، كما يلمّح روبيو، خارج نطاق السيطرة؟ الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة، لكن ما لا يمكن تجاهله هو أن سوريا تقف، مرة أخرى، على مفترق طرق حاسم.
مستشرقة روسية وباحثة في شؤون الشرق الأوسط