السلايدر الرئيسيشمال أفريقيا

قانون التمييز العنصري وحده غير كاف لتغيير العقليات في تونس

يورابيا – تونس – أقرت تونس مؤخرا قانونا يجرم التمييز العنصري وهي أصبحت بذلك أول دولة في العالم العربي تسن قانونا من هذا القبيل. ويعد هذا القانون انجازا حقوقيا يحتسب لتونس في مسارها نحو بناء دولة ديمقراطية يحظى فيها جل المواطنين بحقوقهم كاملة وعلى قدم المساواة. ولكن منتقدين للقانون اعتبروه غير ذي أهمية بالغة كون التمييز العنصري في تونس لا يرتقى إلى مستوى الظاهرة وأنه متعلق بممارسات فردية معزولة، كما أكدت جمعيات المجتمع المدني أن القانون وحده لا يكفي للقضاء على التمييز العنصري وأنه لا بد من العمل أكثر على تغيير الفكر السائد في المجتمع.

 

التمييز العنصري ظاهرة عامة تشمل جميع أنحاء العالم، وهو ليس حكرا على تونس، كما أنه ليس بالظاهرة الاجتماعية البارزة للعيان خصوصا في ما يتعلق بسمر البشرة حيث لا تخلو مدينة أو حي من أجوار سمر وبيض يتعايشون مع بعضهم منذ سنوات ودون مشكلات، ولعل هناك نوع آخر من التمييز البارز في تونس وهو الميز على أساس جهوي أو فئوي.

القانون الجديد عرّف التمييز العنصري على أنه “كل تفرقة أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو النسب أو غيره من أشكال التمييز العنصري على معنى المعاهدات الدولية المصادق عليها..” وأخذ بعين الاعتبار ما يترتب عنه في مستوى نيل الحقوق أو تحميل الضحية أعباء إضافية خاصة في العمل.

ورغم العقوبات الردعية التي أقرها بمدة سجنية تصل إلى ثلاث سنوات وخطايا مالية تصل إلى 15 ألف دينار إلا أنه لم يعتبر في نظر كثيرين قانونا شاملا بل لقي الكثير من الانتقادات منها ما اهتم بالتمييز وأهميته وهل هو ظاهرة متفشية في المجتمع التونسي تستدعي سن قانونا لمواجهتها، ومنها ما اعتبره قانونا شكليا وسطحيا لا يتطرق لجميع أشكال التمييز، ومنها ما اعتبره غير كاف للقضاء على التمييز العنصري بل يجب دعمه بعمل توعوي تحسيسي وتثقيفي يهدف إلى تغيير العقليات.

الملاحظة الأولى التي تبدو جلية فيما يخص قانون التمييز العنصري وحيثيات المصادقة عليه في مجلس نواب الشعب أنه بعد المصادقة عليه قدم مجموعة من النواب التهاني لمجموعة من مناهضي التمييز العنصري من الحقوقيين من بينهم ممثلين سمر البشرة عن جمعية “منامتي” الناشطة في مجال محاربة العنصرية، وحتى أثناء المداولات وكلمات النواب ركز عدد هام منهم على التمييز ضد الأشخاص ذوي البشرة السمراء وكذلك بعد المصادقة على القانون تناولت العديد من الصحف التونسية والمنابر التلفزيونية الموضوع بحضور ضيوف عن جمعية منامتي ومن سمر البشرة، هذا الخلل الشكلي الأول سوّق لقانون التمييز العنصري على أنه يختصر على التمييز ضد ذوي البشرة السمراء سواء من المواطنين التونسيين أو من المقيمين فيها.

التسويق للقانون على هذا النحو خصوصا عبر المواكبة الإعلامية التي عقبته جعله يفهم لدى جانب واسع من مكونات المجتمع التونسي على أنه يهم التمييز ضد السمر فقط، ويمكن تفسير هذا الفهم الخاطئ وتبريره لأن مشروع القانون لم تسبقه حملة إعلامية وحملات اتصالية مباشرة مع المواطنين توضح لهم حقيقة القانون ومقاصده والأطراف المعنية به، وهذه النقطة تعد واحدة من الانتقادات التي وجهها طيف من الحقوقيين التونسيين الذين اشتغلوا على محاربة العنصرية حيث أكدوا أن العمل المدني والتوعوي لم يواكب المشروع وأن هناك نقصا في العمل التحسيسي وفي توضيح القانون للرأي العام.

 

واعتبرت رئيسة جمعية “منامتي”، الناشطة في مجال محاربة العنصرية، سعدية بن مصباح، أن القانون يضم العديد من الثغرات القانونية لكنه رغم ذلك يظل انجازا تاريخيا ناضلت من أجله الجمعية والعديد من الحقوقيين لسنوات. وطالبت بن مصباح المؤسسات الرسمية بعدم الوقوف عند سن القانون، الذي يمكن أن يخفف من وطأة التمييز العنصري في تونس، لكنه يبقى غير كاف للقضاء نهائيا على جميع أشكال التمييز لذلك يجب مساندته ودعمه أولا بالحرص على تطبيقه وثانيا بوضع آليات تعمل على انتزاع الأفكار التمييزية من عقليات التونسيين بالاعتماد على قطاع التعليم والتربية وعلى الإعلام.

 

ويبقى السؤال مطروحا عن مدى فاعلية هكذا قانون في القضاء حقيقة على التمييز العنصري بكافة أنواعه، طالما أن هناك ثقافة سائدة وراسخة عند بعض التونسيين لا تقوم على المساواة بين الجميع وعلى العدالة الاجتماعية. لذلك فإن إقرار قانون ضد التمييز العنصري وضمان جدواه يفترض عملا تثقيفيا وإعلاميا يستبقه، ويواكبه ويستمر لسنوات لمحو النظرة الدونية للمختلفين في اللون أو الدين أو النسب أو الجنس وأحيانا في الجهة وفي الطبقة الاجتماعية أو في المستوى التعليمي الخ…

 

وقد أثار النائب الوحيد في مجلس نواب الشعب الذي صوت ضد قانون التمييز العنصري عند المصادقة عليه ياسين العياري بعض النقاط المذكورة أعلاه ودوّن على صفحته الرسمية في فيسبوك “أراه قانونا ناقصا، ليس ضد كل أنواع الميز العنصري كما يقول عنوانه، بل فقط ما طلبته المعايير الدولية” وأضاف “ألا يكفينا من الاحتفال بالحد الأدنى؟ طرحت مع نواب آخرين تجريم الميز العنصري الجهوي ورفض النواب ذلك بتعلة المعايير الدولية. كان يكفي أن يقبلوا بإضافة كلمة “جهوية”.. الحقيقة لم تقنعني مسألة المعايير الدولية. المطلوب من النائب، المشرّع، أن يتعامل مع واقعه، وأن يحل مشاكل الناس، لا أن ينضوي تحت المعايير الدولية”.

وأكد العياري أنه غير راض على هذا القانون موضحا “أن المواطنين الذين تعرضوا لتمييز في العمل والدراسة وفي الترقية، والذين تعرضوا للتحقير والسخرية ولسوء المعاملة على أساس جهوي.. على كثرتهم لا يمكنهم الاحتفال بهذا القانون لأن النواب الذين انتخبوهم رفضوا أن يضيفوا الإشارة إلى الميز العنصري على أساس جهوي واختاروا المعايير الدولية”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى