فورين بوليسي تكشف دور أبوظبي في تمويل وتسليح قوات الدعم السريع وتغطية فظائع دارفور.. لماذا لن تنهي الإمارات الحرب في السودان؟
من تاج السر حسن
الخرطوم ـ يورابيا ـ من تاج السر حسن ـ قالت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية في تحقيق موسع إن الحرب المشتعلة في السودان منذ نحو ثلاثين شهرًا بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع تحوّلت إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، وسط تواطؤ وصمت دولي لافت.
وأضافت المجلة أن الوضع في شمال دارفور بلغ مستوى كارثيًا، إذ تحاصر قوات الدعم السريع أكثر من 400 ألف شخص داخل مدينة الفاشر منذ أكثر من 18 شهرًا، في حصار وصفته الأمم المتحدة بأنه “وحشي”، حيث تُستهدف شاحنات المساعدات بالطائرات المسيّرة بشكل متكرر.
وأشارت المجلة إلى أن الجمعية العامة للأمم المتحدة الأخيرة شهدت تجاهلًا تامًا من الزعماء العالميين لهذا الحصار القاتل، رغم تصاعد المجازر في الإقليم. وقالت إن نظامًا واحدًا تحديدًا يقف حجر عثرة أمام الجهود الدولية لإنهاء الحصار، وهو – بحسب وصفها – المستفيد الأكبر من نفوذ قوات الدعم السريع: دولة الإمارات العربية المتحدة.
عرقلة دبلوماسية وتواطؤ سياسي
ذكرت «فورين بوليسي» أن الإمارات كانت العضو الوحيد داخل المجموعة الرباعية – التي نصّبت نفسها كوسيط في النزاعات السودانية – الذي أفشل اتفاقًا في الأمم المتحدة لإنهاء حصار الفاشر، كما رفضت إدانة الهجوم الدموي الأخير لقوات الدعم السريع على مسجد في المدينة، والذي أسفر عن مقتل 75 مصليًا.
وأضافت أن الإمارات نفت جميع الاتهامات المتعلقة بتزويد قوات الدعم السريع بالأسلحة أو المعدات العسكرية، غير أن الأدلة الموثقة على العكس تنتشر على نطاق واسع، مشيرةً إلى أن الأشهر الأخيرة شهدت تدفقًا هائلًا للأسلحة إلى صفوف الدعم السريع تزامنًا مع تصعيد الهجمات على الفاشر.
وأكدت المجلة أن ما سيحدث إذا دخلت قوات الدعم السريع إلى المدينة معروف مسبقًا، مشيرة إلى أن مصير السكان – ومعظمهم من الجماعات غير العربية – سيكون الذبح والمجاعة، حيث يواجه نحو نصف مليون شخص خطر الموت جوعًا ويقتاتون على علف الماشية للبقاء أحياء.
جرائم إبادة ممنهجة
وأضافت «فورين بوليسي» أن مركز راؤول والينبرغ لحقوق الإنسان (RWCHR) أصدر تحقيقًا مستقلاً شارك فيه كبار الخبراء، وخلص إلى أن قوات الدعم السريع ترتكب جرائم إبادة جماعية ضد المجتمعات غير العربية في دارفور، وخاصة قبيلة المساليت.
وبيّن التقرير أن مقاتلي الدعم السريع يعبّرون صراحة عن نيتهم في إبادة الجماعات غير العربية، مستخدمين لغة عنصرية مهينة، ويستهدفون الضحايا بالقتل على أساس الهوية. وروت المجلة أن أحد الناجين قال إن أحد عناصر الدعم السريع هدده بقوله: “لو كنت من المساليت، لما تركنا أحدًا على قيد الحياة، حتى الأطفال”.
وذكّرت المجلة بأن قوات الدعم السريع حاصرت مدينة الجنينة في عام 2023 وهاجمتها، مستهدفة مجتمع المساليت، ما أسفر عن مقتل نحو 15 ألف شخص. وفي أبريل 2025، هاجمت القوة أكبر مخيم للنازحين في السودان أثناء توجهها إلى الفاشر، فارتكبت مجزرة جديدة راح ضحيتها أكثر من 1500 مدني، وهجّرت قسرًا أكثر من 400 ألف شخص.
وأكدت «فورين بوليسي» أن الناجين من هذه المجازر وصفوا هدف قوات الدعم السريع بأنه “إبادة جماعية صريحة”.
خطاب كراهية عرقي ودعوات للإبادة
وأشارت المجلة إلى أن قوات الدعم السريع تصوّر جميع سكان الفاشر كأهداف عسكرية، وتخوض حملة منظمة لـ تجريدهم من إنسانيتهم، لا سيما ضد قبيلة الزغاوة، وهي إحدى المكونات الرئيسة في شمال دارفور.
وأضافت أن تسجيلات مصورة أظهرت قادة ميدانيين في الدعم السريع يأمرون ميليشياتهم بالقضاء على الزغاوة، واصفينهم بـ“الفلنجيين”، كما نفذ أحد قادة الميدان عملية إعدام لمدني من قبيلة البرتي أمام الكاميرات فقط بسبب انتمائه القبلي.
وفي الأسبوع الماضي – تقول المجلة – نشر المركز الحقوقي نفسه تحقيقًا قانونيًا جديدًا حول الجرائم ضد الأطفال في السودان، حدّد فيه المسؤولين والمتواطئين في الجرائم ضد الإنسانية التي ارتُكبت ضد الصغار منذ بداية الحرب.
مجلس الأمن… غياب الإرادة
وانتقدت «فورين بوليسي» شلل مجلس الأمن الدولي، الذي اكتفى بإصدار قرارين ضعيفين يدعوان إلى وقف مؤقت لإطلاق النار وإنهاء الحصار، من دون أي آلية تنفيذية أو ضغط سياسي حقيقي.
وقالت المجلة إن الحل في السودان يبدو واضحًا وبسيطًا: على المجتمع الدولي أن يواجه الإمارات العربية المتحدة مباشرة، لأنها الجهة التي تعتمد عليها قوات الدعم السريع في التمويل والتسليح والدعم السياسي.
جسر جوي إماراتي وتسليح غير مشروع
وأضاف التحقيق أن الإمارات تعمل كخط إمداد رئيسي لقوات الدعم السريع عبر حملة جوية لنقل الأسلحة الثقيلة والمدفعية والطائرات بدون طيار عبر دول مجاورة.
وأشارت إلى أن لجنة خبراء الأمم المتحدة المعنية بالسودان أكدت وجود “تناوب مكثف لطائرات الشحن من الإمارات إلى قوات الدعم السريع”، ووصفته بأنه “جسر جوي إقليمي جديد”.
وقالت المجلة إن أبوظبي أخفت عملياتها الجوية تحت غطاء إنساني، حيث أقامت قاعدة جوية في تشاد داخل مجمع يُقدَّم للعالم كمستشفى تابع لـ الهلال الأحمر الإماراتي، في حين تشير الأدلة إلى أنه يُستخدم لنقل السلاح والمعدات.
كما كشفت صحيفة وول ستريت جورنال – وفقًا لما نقلته فورين بوليسي – أن الإمارات زوّرت وثائق الرحلات الجوية وأخفت قوائم الشحن التي طلبتها الأمم المتحدة بحجة “ضيق المهلة”، بينما أُمرت سلطات أوغندا بعدم تفتيش الرحلات الجوية القادمة من الإمارات والمتجهة إلى تشاد.
المصالح الاقتصادية وراء الحرب
ورأت المجلة أن الإمارات، رغم تبريرها تدخلها بأنها تحارب الإسلام السياسي، تسعى في الواقع إلى تأمين موارد السودان الغنية من ذهب وزراعة وثروة حيوانية وموانئ بحرية.
وقالت إن الإمارات تُعد الوجهة الأولى للذهب غير المصرّح به من إفريقيا، إذ استوردت خلال العقد الماضي ذهبًا بقيمة تفوق 115 مليار دولار من القارة، وهو ما يجعلها – بحسب المجلة – مستفيدة مباشرة من استمرار الفوضى في السودان.
وأضافت أن الرواية الإماراتية “المعادية للإسلاميين” لا تصمد أمام التدقيق، لأن قوات الدعم السريع نفسها نشأت من رحم النظام الإسلامي السابق في الخرطوم.
علاقات حميدتي مع أبوظبي
وأكدت «فورين بوليسي» أن الإمارات آوت قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، ووفّرت له خط اتصال مباشر مع القادة الإماراتيين محمد بن زايد آل نهيان ومنصور بن زايد.
وتستند إمبراطورية الدعم السريع الاقتصادية إلى شركات مقرها الإمارات، يديرها أشقاء حميدتي، تُستخدم لشراء الذهب، وتهريب الأموال، وتجنيد المرتزقة الأجانب.
وأشارت المجلة إلى أن مستشارًا مقرّبًا من محمد بن زايد نظّم رحلة خاصة لحميدتي للقاء رؤساء أفارقة بهدف كسب شرعية سياسية وتخفيف الضغط الدولي.
ونقلت المجلة عن مسؤولين أمريكيين أن محمد بن زايد اعترف ضمنيًا في اجتماع مع نائبة الرئيس الأمريكي السابقة كامالا هاريس بتقديم دعم مادي لقوات الدعم السريع، مبررًا ذلك بأن تلك القوات قاتلت إلى جانب الإمارات في اليمن.
الحرب التي تطيلها المصالح
وختمت «فورين بوليسي» تحقيقها بالقول إن قوات الدعم السريع لم تكن لتستطيع حصار الفاشر أو ارتكاب فظائعها دون الدعم الإماراتي، معتبرة أن مفتاح إنهاء الحرب السودانية يبدأ بمواجهة الدور الذي تلعبه أبوظبي.
وأضافت المجلة أن على الإمارات أن تثبت التزامها الإنساني فعليًا عبر دعوة قوات الدعم السريع إلى الانسحاب الفوري من الفاشر، لأن هذه الخطوة وحدها كفيلة بوقف نزيف الدم وتجنيب نصف مليون مدني المجاعة والموت الوشيك.
