
بينما تتوالى الكوارث على الشعب الفلسطيني، وتحديدًا في قطاع غزة، تنكشف خيوط الموقف الغربي الذي بات أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، ليس تواطؤًا صامتًا، بل انخراط فعلي في صناعة المأساة، وتوفير غطاء سياسي وعسكري لمنفذها. تتخذ المواقف الغربية شكل “القلق الإنساني”، لكنها في جوهرها استمرار لسياسات عمرها عقود، تقوم على إدارة الصراع بدل إنهائه، وتوزيع المسؤوليات على الضحية، لا على الجاني.
في قلب هذا المشهد، تتحرك الولايات المتحدة والدول الأوروبية من موقع الشريك لا المراقب. لا يقتصر الأمر على الانحياز الدبلوماسي، بل يمتد إلى تمويل آلة الحرب، وتبرير التجاوزات، وتجاهل تام للجرائم الموصوفة دوليًا. الدعم لا يتوقف، بل يتجدد مع كل مجزرة، ويتكثف مع كل انهيار إنساني، وكأن العقاب الجماعي أداة شرعية ما دام يخدم “أمن إسرائيل”.
التغير اللافت في الخطاب الغربي مؤخرًا، والذي يظهر في دعوات خجولة للاعتراف بدولة فلسطينية، لا يعكس تحوّلًا حقيقيًا، بل محاولة لامتصاص الغضب الشعبي، والتغطية على حالة الانكشاف الأخلاقي. فحين تصبح الصور الخارجة من غزة أكثر فظاعة من أن تُحتمل، تُستحضر المبادئ، لا لإيقاف المجازر، بل لحماية الرواية الرسمية للدول الغربية أمام جمهورها. الاعتراف بدولة فلسطينية، كما يُطرح اليوم، ليس مبادرة سلام، بل ورقة علاقات عامة، تُلوّح بها الحكومات الأوروبية كي لا تبدو متواطئة تمامًا، بينما تقف على الهامش في لحظة الحسم.
المفارقة أن هذا الاعتراف، وإن جاء، لن يُغيّر في واقع الاحتلال شيئًا. فالزمن السياسي الذي وُلد فيه حل الدولتين قد انتهى، بعدما حوّلت إسرائيل الأرض الفلسطينية إلى فسيفساء مستوطنات، ومحميات مقطّعة الأوصال، لا تمتلك أي مقومات السيادة. لا دولة يمكن أن تُبنى في ظل الوقائع الحالية، ولا مفاوضات ذات معنى تُعقد في ظل موازين القوى المختلّة. ما يُعرض على الفلسطينيين هو شكل بلا مضمون، اسم بلا جغرافيا، كيان بلا حدود ولا أمن ولا سيطرة.
وفي هذا الإطار، يكتسب تصريح وزير الخارجية الفرنسي أهمية خاصة. فالحديث عن استعداد بعض الدول العربية لإدانة حماس، والمطالبة بنزع سلاح المقاومة مقابل الاعتراف بالدولة، يكشف طبيعة الصفقة الحقيقية: لا سلام، بل تفكيك للمقاومة تحت غطاء سياسي. المطلوب من الفلسطينيين دائمًا هو التنازل، التخلي، التفكك، بينما يُمنح الاحتلال المزيد من الشرعية والتوسع. هي معادلة مقلوبة، تجعل من الطرف الأعزل الخطر الأكبر، ومن القوة المحتلة شريكًا في السلام.
الدول العربية التي تنخرط في هذا الطرح وعلى رأسها السعودية، تدرك أن المشروع ليس واقعيًا، لكنها تحتاج إلى مخرج يحفظ لها هامش التحرك الإقليمي. فتسويق “حل الدولتين” ليس هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة لتبرير الاندماج في ما يسمى بالاتفاقات الإبراهيمية. هو خطاب ضروري لفتح الأبواب المغلقة، لا لإنصاف الفلسطينيين. ولذلك، تُطرح الدولة الوهمية على الورق، بينما يُترك الاحتلال ينجز مشروعه على الأرض، قطعة قطعة، جدارًا بجدار.
أما إسرائيل، فقد تجاوزت مرحلة السعي نحو “تسوية” فهي باتت تعيش حالة شعور بانتصار استراتيجي، مدفوعة بدعم غربي غير محدود، وانقسام داخلي بل وتواطوء من اطراف فلسطينيية تروج للرواية الغربية المبنيةعلى دعم الاحتلال، وصمت إقليمي. هذه اللحظة، في الخيال الإسرائيلي، تُقرأ على أنها فرصة تاريخية لإنهاء القضية من جذورها: لا دولة، لا حق عودة، لا مقاومة. لذلك، فإن أي دعوة لوقف إطلاق النار، أو لأي مسار سياسي، تُقرأ على أنها فرصة لترتيب “ما بعد النصر”، لا للتراجع أو الاعتراف بالحقوق.
اللافت في هذا السياق أن الولايات المتحدة، الطرف الوحيد القادر على كبح هذا المسار، لا تبدي أدنى رغبة في ممارسة نفوذها. فموقفها لا يخرج عن دعم مفتوح ومطلق، يتنقل من العلن إلى الكواليس، لكنه ثابت في جوهره: لا مساءلة، لا شروط، لا خطوط حمراء. ولأن واشنطن لا تتحرك، فبقية العواصم الأوروبية تجد لنفسها عذرًا في عدم الفعل، مكتفية بالتصريحات الرمزية، والاجتماعات البروتوكولية، والرهان على الوقت الذي سيقوم بالمهمة وحده.
حين تُقرأ كل هذه المؤشرات مجتمعة، يصبح من السهل إدراك أن الحديث عن “حل الدولتين” الآن لا يهدف إلى إنهاء الاحتلال، بل إلى احتوائه سياسيًا. ما يجري هو إدارة أزمة، لا بحث عن حل، وتجميل لواقع بالغ القسوة تحت عناوين خادعة. ولعل أخطر ما في هذه المرحلة هو محاولة تحويل المقاومة إلى مشكلة، والدولة إلى جائزة مشروطة بالطاعة، في وقت لا تبدي فيه إسرائيل أي نية لوقف مشروعها التوسعي ولا تصور او حتى خطوط لحدود دولتها المزعومة.
وفي نهاية المطاف، لا يبدو أن الاعتراف المرتقب بالدولة الفلسطينية، إن تم، سيكون أكثر من شهادة على الهزيمة الثنائية: هزيمة الأخلاق في العواصم الغربية، وهزيمة التوازن في النظام الدولي وتواطؤ الاعتدال العربي، سيُقال لاحقًا إن “الظروف لم تكن ناضجة”، وإن “الأطراف لم تتجاوب”، لكن الحقيقة أن الطريق كان واضحًا، والإرادة هي ما غابت عمدًا. وبذلك، يُعاد إنتاج السيناريو المعروف: الاعتراف بعد فوات الأوان، حين تصبح الكارثة أمرًا واقعًا، ويُطلب من الضحية أن تتأقلم معها… باسم “الحل”.
تحياتي أخي أحمد .
هل هناك بريد إلكتروني حتى يتم التواصل مع صحيفتكم الموقرة لإرسال المقالات التي أكتبها.
مع التحيات لشخصكم الكريم
أخوك جلال مصطفى الفلاح