أقلام مختارة

فتّش عمَّن يمسك بالريموت كونترول!

توفيق رباحي

اليمين الشعبوي يتقدم بقوة في أوروبا؟ صحيح.
سيكتسح القارة تماما بعد سنوات قليلة؟ صحيح.
سيكون نقمة على المهاجرين؟ صحيح.
سيدفع المسلمون الثمن الأكبر إذا ما تمكنت يد هذا اليمين؟ صحيح أيضا.
أشياء أخرى كثيرة صحيحة عن هذا اليمين، كلها مخيفة ولا تشجع على التفاؤل.
ورغم هذه اللوحة حالكة السواد، أنا متفائل ولا خوف عندي من هذا اليمين. أعتبره ظاهرة صوتية وأثق في أن إمكاناته محدودة ومساحة تحركه مرسومة وقادته يعرفون والذين يُحرّكون قادته مطمئنون.
لنأخذ حزب التجمع الوطني في فرنسا (الجبهة القومية سابقا) مثالا. نال الحزب الذي بنى مجده على التحريض ضد الأجانب حظوة في الانتخابات الرئاسية منذ اقتراع 2002 عندما تمكن مؤسسه جان ماري لوبان من كسر التقليد الانتخابي القائم على يمين ـ يسار وتغلب على الاشتراكي ليونيل جوسبان لينافس في الدور الثاني الرئيس جاك شيراك.
كانت صدمة أصابت فرنسا واستوقفت العالم كله.
منذ ذلك التاريخ بقي الحزب حاضرا في كل انتخابات رئاسية، عدا عن النيابية. فاز في الدور الأول مرتين، 2017 و2022، وأثّر في سيرها في الاقتراعات الأخرى. لكن الحاصل في نهاية المطاف أنه لم يفز ولا مرة بالرئاسة.
يحق التساؤل لماذا لم يفز ولو مرة واحدة؟ طيب، لنتخيّله نادي كرة قدم يلعب في دوري قوي وقوته تؤهله إلى لعب نهائي الكأس كل موسم منذ عشر سنوات لكنه ينهزم دائما، ألا يدعو هذا إلى الجزم بأنه لاعب سيئ، أو أن الكأس لا تليق به، أو لا يُراد له الفوز، أو أن قرارا ما اتُخذ في مكان ما بمنعه من الفوز مهما فعل؟
صحيح أن ربع قرن من العمل السياسي في حياة أمة مثل فرنسا تساوي سطرا ونصف سطر في كتاب تاريخ بعد قرن أو اثنين، ولذا يصعب القياس على إخفاقات الجبهة القومية خلال العقود الثلاثة الأخيرة.
لديَّ حجج أخرى أستطيع أن أسوقها. منها أن القوى التي تتحكم في العالم، دعك من الحكومات والبرلمانات التي تراها يوميا على الشاشات وتقرأ أخبارها، ترفض أن يصل هذا اليمين الشعبوي إلى الحكم، لأنه خطر أيضا على مصالحها والتوازنات التي تحفظها. تحكُّمها في هذا اليمين، وغيره من تيارات سياسية، يجعلها تقرر حجم المساحة التي تمنحه إياها. حتى الآن هي تسمح له بأن يقترب من مستويات معينة في صناعة القرار من قبيل أغلبية برلمانية نسبية والمشاركة في الدورة الثانية من الانتخابات كما هو الحال في فرنسا، لكن لا شيء أكثر من هذا إلى إشعار جديد. هذا التحكم في الخيوط يعني ضرب هدفين بحجر واحد، منح اليمين الشعبوي وأقطابه شعورا بالأهمية وبالقدرة على التأثير من جهة، وزرع الخوف من المستقبل بين أجيال كاملة من المهاجرين، خصوصا المسلمين والملوّنين الذين يختارون التمسك بمرجعياتهم الثقافية والدينية.
أعرف أن كثيرين لا يروقهم هذا الكلام. هاكم المزيد: صُنّاع القرار في الاقتصادات الكبرى يؤمنون بأن لا مستقبل للمجتمعات الغربية وتطوّرها الاقتصادي (أولاً) ثم الإنساني ثانيا، من دون هجرة ومهاجرين.

الدراسات والأبحاث الأوروبية المختصة تتوصل باستمرار إلى أن مَن تقل أعمارهم عن الثلاثين أكثر ليبرالية، وأقل اكتراثا بأصول وانتماءات رفاقهم وجيرانهم وأصدقائهم العرقية والدينية. كما أن نسبة غير قليلة من هؤلاء «الجيران والأصدقاء والرفاق» سيكونون هم ذاتهم أوروبيين مندمجين إلى حد بعيد لا يعانون عُقد النقص التي عانها ذووهم قبل عقود.
الذين يتظاهرون في لندن والمدن البريطانية الأخرى ضد الهجرة حاملين الصلبان وأعلام إنكلترا يسارعون فور انتهاء المظاهرة إلى تناول الشاورما عند التركي والكباب عند الإيراني والكاري عند الهندي. وعندما يسكرون حتى الثمالة في ليالي نهايات الأسبوع يتصلون بشركات تاكسي يديرها باكستانيون وهنود يوظفون سائقين من نيجيريا والجزائر وكوسوفو لانتشالهم من الشوارع.
هل يتخيّل أحدكم لندن من دون مطاعم إيطالية وهندية وتركية ولبنانية، ومن دون بنّائين بولنديين وبقالات هندية صغيرة تفتح من ساعات الفجر إلى منتصف الليل تجد فيها كل ما تريد، وأحياء بكاملها يفيض منها عبق ثقافات متنوعة لشعوب ضاربة في التاريخ؟ إذا كنت تعيش في باريس اغمض عينيك ستين ثانية، صفِّ ذهنك ثم تخيّلها من دون سائق التاكسي الجزائري والكهربائي التونسي وتاجر السيارات القادم من غوادلوب وغيرهم ممن يصفهم الحمقى بـ«الحثالة»!
مَن يحدّثك عن نقاء الحضارة الأوروبية وتميّزها وعن الجوانب الثقافية والروحية للغرب، رد عليه: فاتكم القطار. كان يجب أن يفكر أجدادك في هذا قبل إقلاع سفن قراصنتهم لاحتلال الكرة الأرضية واستعباد شعوبها. وقل له إن كلامك الجميل مكانه استوديوهات التلفزة وصالات الثرثرة السياسية المريضة.
لوتن مدينة متوسطة الحجم على بُعد نصف ساعة بالقطار شمال لندن. فيها وُلد ونشأ تومي روبنسون، زعيم ما يسمى «رابطة الدفاع الإنكليزي»، وأحد أقطاب اليمين الشعبوي في أوروبا. مشكلته ليست مع الهجرة لكن مع المسلمين. كان يجمع أنصاره في حانة بإحدى الضواحي القريبة من المدينة. ثم حدث أن احترقت الحانة قبل أكثر من عشر سنوات، ولا تزال إلى اليوم أطلالا مُسيَّجة لا أحد اقترب منها أو فكر في استغلال المساحة الأرضية.
التطور اللافت في هذا الموضوع أنه على بُعد 30 مترا من أطلال الحانة المحروقة يقام مُصلى يكتظ كل جمعة بالمؤمنين. ولأزيدكم من الشعر بيتا، أضيف أن المصلى يقام في مركز خدمات اجتماعية وإنسانية للمجتمع المحلي، يتضمن مكتبة وعيادة طبية تابعة لنظام الرعاية الصحية الحكومي. هناك تختلط الممرضات وموظفات الاستقبال بالقادمين لأداء صلاة الجمعة.
بسبب كل ما سبق، منذ بداية قراءتك هذا النص إلى نهايتك منه، حطت طائرات في مطارات بريطانية وفرنسية وألمانية ونمساوية وفي كل بلد أوروبي على متنها مسافرون قادمون من الجزء الجنوبي من الكرة الأرضية، بنية أو قرار الاستقرار. وفي التوقيت الزمني القصير ذاته ربما وصلت قوارب إلى شواطئ جنوب إسبانيا وإيطاليا على متنها أشخاص لن يعودوا إلى أوطانهم، وبعد عشر سنوات سينالون الإقامات والجنسيات.
ختاما، أكرر بأنني من المؤمنين بنظرية المؤامرة: لن يقنعني إنسان بأن الموضوع مفصول عن غزة. كلما اشتكت غزة من الظلم في الشرق ارتفع منسوب الكلام عن العنصرية في الغرب. فتّش عمَّن يحرك الريموت كونترول، فهو المستفيد.

كاتب صحافي جزائري

عن صحيفة القدس العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى