السلايدر الرئيسيصحف

فايننشال تايمز: مساعدات أمريكا لغزة تتحول إلى “ذهب السوق السوداء” وسط الجوع والرصاص

من سعيد سلامة

لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ قالت صحيفة فايننشال تايمز إن خطة المساعدات المثيرة للجدل، التي تنفّذها مؤسسة “غزة الإنسانية” المدعومة أميركيًا، أدّت إلى تغذية نشطة للسوق السوداء للسلع الأساسية في القطاع.

وأضافت الصحيفة أن التجار المحليين باتوا يعيدون بيع مواد الإغاثة، التي يجمعها مستلمون يائسون أو قادرون فقط على السفر لمسافات طويلة، بأسعار مرتفعة للغاية، ما يعكس مدى الأزمة الإنسانية التي يعيشها السكان. ويتسم هذا النموذج بابتعاد غزّة عن القنوات الاعتيادية للمساعدات ودخولها في ما تصفه الصحيفة بـ«ممرات الموت»، إذ لم تتجاوز مراكز التوزيع الأربعة في جنوب غزة خيمة معدودة، وغالبًا لا تُفتح سوى لفترات محدودة، مما يضع السكان أمام خيارين قاتلين: التضحية بالحياة في محاولة الوصول، أو الخضوع لجشع التجار.

وأشارت فايننشال تايمز إلى أن التجار لا يكتفون ببيع المواد لدعم أنفسهم فحسب، بل نظّموا عمليات ممنهجة اشتروا بها كميات كبيرة جداً وأعادوا تسويقها بأسعار تغليظ تصل أحياناً إلى 15 ضعف السعر الأصلي. وبحسب الصحيفة، يؤكد عايد أبو رمضان، رئيس غرفة تجارة غزة، أن “من يملك المال يشتري 100 زجاجة زيت نباتي مثلاً، يبيعها مقابل 100 شيكل لكل زجاجة، رغم أنه كان بإمكانه بيعها بـ10 شواكل فقط”.

وركز التقرير على حالات مروّعة: فقد عبّر ناشطون عن تفاقم الأزمة بمقتل أكثر من 500 شخص، بينهم أطفال، أثناء محاولتهم الوصول إلى نقاط التوزيع خلال الأشهر الأخيرة، نتيجة إطلاق النار من قبل جنود إسرائيليين، وفقًا لمسؤولين إنسانيين.

كما أبرزت الصحيفة تجارب فاشلة للنماذج التي اعتمدت على توزيع المساعدات عبر التجار المحليين، مشيرة إلى أن هذه الوساطة – التي جرى ترويجها على أنها خطوة لزيادة فعالية الوصول إلى الفقراء – انتهت في كثير من الأحيان بإعادة بيع المواد المدعومة، كما حدث بعد إدخال البطاطس إلى الأسواق المحلية بسعر 250 شيكلًا لحقيبة 5 كيلوغرامات، وهو ما يزيد بأضعاف عن الأسعار قبل الحرب، بحسب وصف الصحيفة.

ولم تغفل الاعترافات الرسمية للمؤسسات، حيث قال مسؤولون من مؤسسة غزة الإنسانية الجديدة إن إعادة البيع الفردية قد تحصل رغم أن “المساعدات مجانية دائمًا”، لكن بحسب الصحيفة، الأولوية الحقيقية هي “توفير المزيد من الإمدادات بدلاً من مكافأة بعض التجار”. وبالرغم من هذه التصريحات، تعتقد الصحيفة أن النظام القائم على البيع مقابل توزيع يُغذّى على الخلل البنيوي للمساعدة.

كما استشهدت فايننشال تايمز بتصريحات مسؤولين في الأمم المتحدة وأكثر من 160 منظمة إنسانية دولية (بما في ذلك اليونيسف وأطباء بلا حدود وسيف ذي تشيلدرن) الذين طالبوا بإلغاء نموذج GHF، معتبرين أن الخطة “أجبرت الفلسطينيين على выбора بين الموت جوعًا أو المخاطرة بإطلاق النار فوراً”، وأنها لم تُخفف من حدة النقص الغذائي الذي تفاقم بعد فرض الحصار منذ مارس الماضي.

وسلط التقرير الضوء على الهيكل التشغيلي للمؤسسة: أربعة مواقع تُشغّلها شركات أمنية أميركية تحت إشراف الجيش الإسرائيلي، والفترات الزمنية المحدودة التي يُسمح فيها بالدخول. ونقلت عن الـUN قولها إن هذا النموذج “سلاح قمعي” يهدد أساس مبادئ الإغاثة الدولية.

من جانبها، أكدت “GHF” أنها لم تسمح بإعادة بيع المواد، مضيفة أن الأولوية كانت لاستئناف عمليات التوزيع الخاصة بها. ولكن الصحيفة أشارت إلى حالات شراء يومية في مناطق كخان يونس والنصيرات، حيث قال محمد فرا، أب لطفلين، إنه اشترى كيس بطاطس من السوق بعد أن تأكد أنها ممن توزعها المؤسسة، وأشار إلى أن “أسعارها بلغت 15 ضعف مستوى ما قبل الحرب”.

وأشارت الصحيفة إلى أن حالة الرعب داخل الأسواق مؤشر آخر على أثر الخطة على السكان، وأوردت قول راشيل كومينجز، مديرة الشؤون الإنسانية في منظمة إنقاذ الطفولة: “كلما مررتُ بمتجر، أجد منتجات GHF معروضة للبيع”، وهو ما يثبت انتشارها بالرغم من التأكيدات الرسمية بأن “المساعدات لأصحابها فقط”.

واختتمت فايننشال تايمز تقريرها بالقول إن خطة المساعدة هذه لم تُخفّف من مأساة غزة، بل غذّت “اقتصاد العوز”، ودفعت السلسلة الإنسانية إلى مسار سوداوي: “موت بالجوع أو مخاطر الموت لإسعاف الجوع”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى