فايننشال تايمز: رفييرا غزة.. خطة سرية لتهجير نصف مليون فلسطيني وتحويل القطاع لواحة استثمارية ودور توني بلير ومجموعة بوسطن في المشروع
من سعيد جوهر

واشنطن ـ يورابيا ـ من سعيد جوهر ـ كشفت صحيفة “فايننشال تايمز” في تحقيق موسع تفاصيل دقيقة حول مشروع مثير للجدل يربط بين معهد توني بلير (TBI)، مجموعة بوسطن الاستشارية (BCG)، ورجال أعمال إسرائيليين بهدف إعادة إعمار قطاع غزة بعد الحرب. المشروع، الذي حمل عنوان “ريفييرا غزة”، يطمح إلى تحويل غزة إلى مركز اقتصادي متقدم يعتمد على ابتكارات في البنية التحتية والتكنولوجيا، ويشمل خطة شاملة لإعادة تنشيط اقتصاد القطاع الذي يعاني من الحصار والدمار المتواصل.
خلفية المشروع وأطرافه
شارك في إعداد هذا المشروع موظفون من معهد توني بلير، الذي يُعرف بمحاولاته السابقة لتعزيز السلام والتنمية في الشرق الأوسط، إلى جانب فريق متخصص من مجموعة بوسطن الاستشارية، التي قدمت نماذج مالية وتقنية معقدة لتصميم الخطة، إضافة إلى رجال أعمال إسرائيليين بارزين مثل ليران تانكمان ومايكل إيزنبرج، الذين لعبوا دورًا رئيسيًا في صياغة الأفكار الأولية وتأسيس صندوق استثماري عالمي لتطوير المنطقة. وقد أُعد المشروع في سرية شديدة، بعيدًا عن الأطر الرسمية، مما أدى لاحقًا إلى توتر داخلية في شركة بوسطن الاستشارية، التي نفت رسميًا أي ارتباط رسمي بالمشروع وطردت بعض الشركاء المشاركين الذين أداروا العمل دون موافقة الشركة.
ملامح خطة “ريفييرا غزة”
تتميز الخطة بطموحات ضخمة تهدف إلى إعادة تصور غزة كمدينة ذكية ومركز تجاري حديث، وذلك من خلال مجموعة مشاريع متكاملة:
-
ريفييرا غزة: إنشاء منتجعات سياحية وجزر اصطناعية على شاكلة جزر النخيل في دبي، لتصبح مقصدًا سياحيًا عالميًا على ساحل غزة.
-
منطقة التصنيع الذكية “إيلون ماسك”: منطقة صناعية على الحدود بين غزة وإسرائيل مخصصة لتصنيع السيارات الكهربائية وغيرها من المنتجات التكنولوجية، مستفيدة من التكنولوجيا الأمريكية وخبرات رجال الأعمال.
-
ميناء عميق المياه: ربط غزة بممرات تجارية استراتيجية بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، لتعزيز التجارة الدولية.
-
مناطق اقتصادية خاصة منخفضة الضرائب: لتشجيع الاستثمار الخاص وجذب الشركات العالمية مثل تسلا، أمازون، إيكيا، وفنادق إنتركونتيننتال.
-
تطوير البنية التحتية: إقامة طرق سريعة رئيسية أُطلقت عليها أسماء قادة خليجيين بارزين مثل “حلقة محمد بن سلمان” و”مركز محمد بن زايد”، لتعزيز الربط الاقتصادي الإقليمي.
فكرة التهجير الطوعي والجدل الأخلاقي
تأتي ضمن الخطة اقتراحات جدلية مثيرة للجدل، منها دفع حوالي نصف مليون فلسطيني من سكان غزة إلى مغادرة القطاع طوعًا عبر حوافز مالية تصل إلى 9 آلاف دولار للفرد، مع توفير سكن مؤقت وخدمات دعم. وتعتمد الخطة على فرضية أن 25% من سكان القطاع سيقبلون بالرحيل طواعية، على أن لا يعود معظمهم إلى القطاع نهائيًا. هذه الفكرة التي وردت في بعض وثائق المشروع أثارت انتقادات دولية واسعة، ووُصفت بأنها محاولة مقنعة لتهجير فلسطينيين من أراضيهم، وهو ما نفاه معهد توني بلير رسميًا، مؤكدًا أنه لم يدعم أو يروج لأي فكرة تتعلق بالتهجير.
كما أشار التقرير إلى أن نموذج التمويل المعقد الذي أعده فريق بوسطن الاستشارية يتوقع أن يرتفع الناتج المحلي لغزة إلى نحو 324 مليار دولار مقارنةً بحالتها الراهنة التي تعاني من أزمات مستمرة، بينما سيسهم انخفاض عدد السكان في تقليل تكاليف الدعم الحكومي ورفع كفاءة التنمية.
دور معهد توني بلير ومجموعة بوسطن الاستشارية
رغم مشاركة موظفين من معهد توني بلير في مجموعات العمل والنقاشات، نفى المعهد أن يكون قد صاغ أو تبنى النسخة النهائية للخطة، مؤكدًا أن مشاركته اقتصرت على “دور استماعي” ضمن عدة وثائق داخلية متعددة، دون أن يُستخدم أي منها كوثيقة رسمية للمشروع. وأكد المتحدث باسم المعهد أن معهد توني بلير يهدف إلى “غزة أفضل لسكانها”، وأنه لم يشارك في أي مقترحات تهدف إلى نقل السكان أو تهجيرهم.
أما مجموعة بوسطن الاستشارية، فقد أوضحت أنها لم تكن على علم مسبق بالعمل الذي جرى خارج نطاق صلاحياتها، وأن مشروع إعادة إعمار غزة تم دون موافقتها، مما دفعها إلى فصل الشريكين المسؤولين عن إدارة المشروع سرًا. وأكدت المجموعة في بيان أنها تنأى بنفسها عن أي عمل تم دون التفويض الرسمي، وأنها لم تقدم أي خدمات مالية أو استشارية لهذا المشروع بشكل رسمي.
ردود الفعل الدولية والمحلية
أثار الكشف عن هذه الخطة موجة من ردود الفعل الغاضبة، خصوصًا من الفلسطينيين الذين اعتبروا أن فكرة دفع السكان لمغادرة قطاع غزة تمثل تهديدًا خطيرًا لحقوقهم وأرضهم، وتكرارًا لمخططات التهجير القسري التي شهدها الفلسطينيون عبر العقود. كما أعربت جهات حقوقية دولية عن قلقها من مخاطر انتهاك القانون الدولي الإنساني، وطالبت بضمان حقوق الفلسطينيين في العودة والعيش الكريم داخل أراضيهم.
على الصعيد الدولي، أثارت الخطة جدلاً واسعًا بين الدول العربية والمجتمع الدولي، خصوصًا مع تضمين أسماء قادة خليجيين بارزين في مشاريع بنية تحتية واقتصادية، مما أضاف بعدًا سياسيًا حساسًا في ظل التوترات الإقليمية.
سياق أوسع لخطط إعادة الإعمار
تأتي خطة “ريفييرا غزة” في ظل سلسلة من المبادرات والإعلانات عن خطط لإعادة إعمار القطاع، بينها برنامج إعادة إعمار بقيمة 53 مليار دولار أقرتها جامعة الدول العربية، وطرحته مصر، إلى جانب مقترحات من مراكز أبحاث دولية مثل مؤسسة راند. ومع ذلك، تبقى جميع هذه الخطط محكومة بواقع معقد من الحصار الإسرائيلي، والاستقرار السياسي الهش، والصراعات المستمرة التي تحد من إمكانية تنفيذ أي مشروع شامل.
تمثل خطة “ريفييرا غزة” نموذجًا حديثًا لتداخل المصالح الاقتصادية والسياسية في محاولة لإعادة تأهيل قطاع غزة بعد سنوات من الصراعات والحصار، إلا أن الأفكار المثيرة للجدل حول التهجير الطوعي واستخدام التكنولوجيا المالية والعملات الرقمية لإدارة أراضي الفلسطينيين، أثارت مخاوف حقيقية حول مصير السكان وحقوقهم. وبينما تسعى الأطراف المشاركة إلى تقديم رؤية مستقبلية طموحة، يظل التساؤل قائمًا حول مدى احترام هذه الخطط للحقوق الإنسانية والعدالة، ومدى إمكانية تحقيق تنمية مستدامة في ظل الأوضاع السياسية الراهنة والتحديات الأمنية المتواصلة.