السلايدر الرئيسيكواليس واسرار

غموض يلف سفينة شحن إيرانية ترسو قبالة طبرق الليبية منذ أسابيع.. شحنة مجهولة.. ومصير غير محسوم

من سعيد السويحلي

طرابلس ـ يورابيا ـ من سعيد السويحلي ـ ثير سفينة الشحن الإيرانية “إليانا” (IMO 9165827)، الراسية قبالة ميناء طبرق شرق ليبيا منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، كثيرًا من التساؤلات والتكهنات في الأوساط الإقليمية والدولية، وسط صمت رسمي ليبي، ومؤشرات متعددة على ارتباطها بأنشطة مشبوهة للحرس الثوري الإيراني، حسبما كشفت مجلة “مارتيم اكسكتيف” الدولية.

وتُعد “إليانا” واحدة من السفن التجارية التابعة لخط الشحن البحري الإيراني (IRISL)، الخاضع لعقوبات أمريكية ثانوية فرضها مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأمريكية، بما في ذلك إدراج السفينة نفسها على لائحة العقوبات.

وبحسب مصادر ملاحية، فإن السفينة البالغ وزنها 23 ألف طن ساكن، تحمل سجلًا حافلًا بنقل الأسلحة والمعدات العسكرية لصالح الحرس الثوري الإيراني. فقد سبق لها أن أفرغت شحنة في ميناء اللاذقية السوري في يونيو/حزيران 2024، ضمن سلسلة من عمليات الإمداد التي كانت تتم قبيل سقوط نظام بشار الأسد، حيث كان ميناء اللاذقية يمثل نقطة ارتكاز إيرانية أساسية لنقل السلاح إلى حزب الله والنظام السوري، إلى جانب رحلات جوية مماثلة عبر طائرات شحن بوينغ 747.

رحلة مثيرة للشكوك

في رحلتها الأخيرة، غادرت “إليانا” ميناء بندر عباس الإيراني في 18 أبريل/نيسان، وتوقفت في ميناء جبل علي في الإمارات رغم العقوبات المفروضة عليها، وهي خطوة أثارت انتباه المراقبين. ورغم عدم الإعلان عن نوع الشحنة التي نُقلت – إن وُجدت – استغرقت السفينة 13 يومًا للوصول إلى الطرف الجنوبي لقناة السويس، رغم أن المسافة عادة ما تُقطع في نحو ستة أيام فقط.

يُثير هذا التأخير شبهات حول إمكانية توقف غير معلن أو تنفيذ عمليات تفريغ أو تحميل سرّية في نقاط عبور غير رسمية، لا سيما أن السفينة مجهزة بروافع سطحية تسمح لها بالتعامل مع موانئ بدائية أو غير مراقبة، مثل تلك الواقعة تحت سيطرة الحوثيين في اليمن أو بعض المرافئ على السواحل السودانية.

بعد عبورها قناة السويس، واصلت السفينة طريقها نحو مدينة طبرق، حيث بقيت راسية على بُعد مرمى البصر من الميناء، دون أن تفرغ أي حمولة أو تعلن عن وجهة الشحنة، ما يثير علامات استفهام متعددة حول هدف الرحلة.

طبرق: ميناء تحت سيطرة حفتر… لكن

ميناء طبرق يقع في نطاق سيطرة المشير خليفة حفتر، الذي يُهيمن على شرق ليبيا ويملك نفوذًا واسعًا على معظم حقول النفط. ويحظى حفتر بدعم قوي من دول مثل الإمارات، مصر، والسعودية، إضافة إلى دعم عسكري واستخباراتي من روسيا. واللافت في الأمر أن هذه الدول – باستثناء موسكو – لا تُعد تقليديًا في صف إيران، بل تتخذ منها خصمًا إقليميًا واضحًا.

في المقابل، تُعتبر تركيا وقطر أبرز الداعمين للحكومة المعترف بها دوليًا في غرب البلاد، التي تتمركز في طرابلس. وبين هذين المعسكرين، تقف “إليانا” في موقع لا يقل عن كونه لغزًا جيوسياسيًا عائمًا.

أسئلة معلقة: من المرسِل؟ من المستقبِل؟ ولماذا طبرق؟

يرى مراقبون أن الملف الليبي بات يمثل ساحة اختبار جديدة للتشابك الإيراني الروسي، في ظل انشغال موسكو بالحرب في أوكرانيا، وسعي طهران لتوسيع نفوذها خارج نطاق الشرق الأوسط التقليدي. ووسط هذا التعقيد، يُطرح السؤال المركزي: لمن تتبع الشحنة؟ وهل تتم بعلم حفتر أم بتغاضٍ منه؟

ورغم التكتم الرسمي، تشير تقارير استخباراتية غربية إلى أن المُرسل هو بلا شك جهة مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني. لكن مسألة التفريغ، أو حتى مجرد السماح للسفينة بالرسو طيلة هذه المدة، تُشير إلى وجود ترتيبات غير معلنة، وربما تضارب مصالح داخل معسكر حفتر نفسه، بين جناحٍ يرى فائدة في التنسيق غير المباشر مع إيران (عبر روسيا)، وآخر يخشى التورط في صراع جديد.

سجل حافل بالحوادث المشتعلة

التحفظ المريب من قبل سلطات الميناء الليبي يبدو مفهومًا إذا ما أخذنا في الاعتبار تجارب سابقة كارثية مع سفن إيرانية مشبوهة. فالسفن “جولبون” و”جيران”، وهما أيضًا تابعتان لخط الشحن الإيراني، كانتا قد فرغتا شحنات في موانئ مختلفة، تسببت لاحقًا في اندلاع حرائق وانفجارات، يُعتقد أنها ناتجة عن سوء تخزين لمواد شديدة الحساسية أو محظورة دوليًا.

وهذا التاريخ الأسود يعزز شكوك مسؤولي الميناء ويزيد من حالة الجمود المحيطة بـ”إليانا”، التي لا تزال حتى الآن بلا تفريغ، وربما بلا مستقبل معلوم.

 مركب بلا بوصلة أم مناورة استراتيجية؟

في ظل غياب أي تحرك رسمي واضح من قبل قوات حفتر، ووسط تجاهل إعلامي محلي متعمد، تبقى “إليانا” شاهدًا عائمًا على حالة من الغموض الاستراتيجي المربك. هل تقف السفينة في طبرق بانتظار إشارة روسية؟ أم أن جهة ما تسعى لاختبار مرونة المحور الداعم لحفتر؟ هل هي خطوة إيرانية للتسلل إلى خاصرة المتوسط عبر بوابة شرقية؟ أم مجرد “حمولة معلقة” بلا مستقبل؟

المؤكد الوحيد، كما يقول مصدر أمني مطلع، هو أن “وجود سفينة مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني في طبرق ليس حدثًا عابرًا… إنه رسالة. والرسائل في هذه المنطقة، غالبًا ما تكون مشفّرة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى