علاء عمر
لا يزال خبر فوز رئيس من أصل عربي، ناييب بوكيلي، بكرسي الرئاسة في السلفادور محط اهتمام الكثير من العرب، المستائين إزاء فوز الشاب (37 عاما) الذي تعود جذوره إلى بيت لحم في فلسطين المحتلة، وذلك على خلفية زيارة قام بها بوكيلي (نجيب أبو كيلة) إلى إسرائيل في نهاية العام الماضي، والتقاطه الصور مع رئيس بلدية القدس المحتلة في حينه، وفي حينه تعود على رئيس البلدية لا على المحتلة، الإسرائيلي نير باركات.
وكما هو متوقع، انهالت الاتهامات التي كالها نشطاء عرب على بوكيلي، وذلك بوصفه “العربي المتصهين”، و”الفلسطيني الذي تنكر لمعاناة أجداده”، ناهيك عن تأكيد البعض على أنه لم يكن لبوكيلي أن يعتلي عرش السلفادور لولا أنه توجه إلى إسرائيل لنيل الرضا، وكأن زيارة بوكيلي كانت لأداء فروض الطاعة.. بين الدوالي وفي الباب العالي.
يشاء القدر أن يكون ناييب بوكيلي ثالث سلفادوري من أصل فلسطيني يترشح في الانتخابات الرئاسية، وثاني تلحمي يفوز فيها، إذ سبقه بالمشاركة في الانتخابات القائد الثوري شفيق حنظل وهو من بيت لحم أيضاً، زعيم جبهة “فاراباندو مارتي” الراحل، الذي نافس أنطونيو السقا على المنصب في انتخابات 2004، والتي انتهت بفوز الأخير.
الملفت في الأمر أن السلفادور في حينه كانت البلد الوحيد في العالم، الذي كانت سفارته في القدس المحتلة، ليصدر الرئيس السقا قراراً بإعادة سفارة بلاده إلى تل أبيب، بعد أن كان علم السلفادور، ولحوالي عشرة أيام، هو العلم الوحيد الذي يرفرف في المدينة العتيقة.
لم يكتف الرئيس السلفادوري في حينه بذلك، إذ تم تدشين تمثال للزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في سان سلفادور، بعد تبوؤ أنطونيو السقا منصب الرئاسة في البلاد.
وحتى لو أقدم رئيس السلفادور الجديد الآن على خطوة عكسية، وأعاد سفارة بلاده إلى القدس المحتلة، فلا يحق للعرب التفوّه بكلمة استنكار أو حتى اعتراض تجاه بلد صغير على أطراف العالم، في مقابل غض الطرف عن الولايات المتحدة الأمريكية التي سنّت هذه السنة.. شيء من الخجل يا عرب.
إذا كان الإسرائيليون يشرفون على كل صغيرة وكبيرة، لماذا لم يتداركوا الأمر وأجبروا السقار للإبقاء على سفارة السلفادور في القدس المحتلة؟ أم أن الرئيس الفلسطيني الأصل نجح في خداع اللوبي الصهيوني بعدما نال دعمهم؟ وبناء عليه.. لماذا لا يكون بوكيلي “تمسكن حتى تمكّن”، هذا على فرض أن لإسرائيل دور يُذكر في فوزه بالرئاسة؟
مما أخذه البعض على ناييب بوكيلي كان أداؤه “طقوسا يهودية أمام حائظ المبكى”، ليستغل أعداء النجاح وهواة الانبطاح، ممن احترفوا تصيّد المواقف التي “تفضح” الفلسطينيين للتخلص من حمل تأييدهم ولو بالكلمة، ليستغل هؤلاء تلك الصورة لتوجيه سهامهم إلى كل ما هو فلسطيني.. يعني كمن كان يبحث عن عرس يشبع فيه لطم فجاءه على طبق من فضة.
لكن عذراً.. ناييب بوكيلي لم يظهر في الصورة مرتدياً الـ “كيباه”، كما ظهر الرئيس الأرجنتيني السابق، السوري الأصل، كارلوس منعم واضعاً إياها على رأسه أمام حائط المبكى.. حتى أن مجلة “فلسطين الثورة” آنذاك نشرت الصورة مرفقة بسؤال: “هل هو كارلوس منعم أم مِناحم؟” فلماذا يحب الكثيرون فينا إساءة الظن؟
علاوة على ما تقدم، ألا يؤمن المسلمون أن الحائط الشهير في بيت المقدس يُسمى في عُرف المسلمين حائط البراق؟ فلماذا تحول فجأة إلى حائط المبكى؟ أليس من الوارد أن يكون بوكيلي وقف أمام حائط البراق كمسلم وتلفظ بأدعية وأذكار إسلامية، باعتباره نجل إمام السلفادور الراحل، أحمد أبو كيلة قطان، المسيحي الذي اعتنق الإسلام؟
من الملائم فتح قوس هنا، للتذكير بحادثة مشابهة وقعت قبل أيام، بعد انتشار خبر مُرفق بتسجيل فيديو مفاده أن الرئيس الأسبق لجهاز الاستخبارات العامة السعودي، الأمير تركي الفيصل، نصح الصحفي الإسرائيلي، باراك رافيد، بالزواج بعربية، إذ تعرض الأمير السعودي لانتقادات شرسة من قِبل نشطاء، على خلفية دعوته يهوديا للزواج بعربية.
ولكن ما المشكلة في ذلك؟ الأمير تركي قال “عربية”. وهذا لا يعني أن تكون بالضرورة مسلمة، فقد تكون عربية مسيحية أو يهودية، كما يحلو للبعض وصف يهود البلدان العربية، وقد تكون لا دينية أو ملحدة. بالإضافة إلى ذلك، هل يعني زواج اليهودي رافيد بمسلمة أنه لن يُجبر على اعتناق الإسلام أولا كما اعتنقه الفنان اليهودي منير مراد الذي تزوج الفنانة المسلمة سهير البابلي؟ علاوة على ما تقدم، ألا نرى الآن تيارات إسلامية، يتقدمها جماعة “القرآنيون” التي يترأسها العالم الأزهري أحمد صبحي منصور، الذي يرى أنه يحق للمسلمة الزواج بغير المسلم؟
وبالعودة إلى “بوكيلي في إسرائيل”.. لو قلبنا المشهد، لربما كان من انتقد نجيب بوكيلي أول من أبدى شديد إعجابه به، لقدرته على خداع الخصم والتلاعب به في سبيل تحقيق أهدافه. وبالحديث عن أهداف رئيس السلفادور الجديد.. ترى ما هي أهدافه؟
بداية لا بد من تحرير المفاهيم، والتأكيد على أن رئيس السلفادور هو ناييب بوكيلي وليس نجيب أبو كيلة. ما يعني أن الرجل، وإن كان من أصول فلسطينية، فهو سلفادوري أولاً وقبل كل شيء. وبما أن غالبية الشعب في هذا البلد اختارته بناء على خطوات محددة كان قد اتخذها في مكافحة الفساد، حينما كان يشغل منصب عمدة العاصمة سان سلفادور، فإن الهدف هو التخلص من أرباب الفساد والتصدي للعصابات التي تثير الذعر بين المواطنين.. لا أن يحرر فلسطين.
وكعرب ينبغي لنا أن نفخر بأحد أبنائنا الذي وصل إلى موقع مرموق، وأن نأمل أن يؤدي واجبه نحو بلاده أولاً لا بلادنا، كي لا نشعر بالأسف إزاء رئيس من أصل عربي، أنهى مسيرته السياسة بفضائح تورط في الاختلاس والفساد كما هو حال منعم والسقا.
ثم لماذا هذه الازدواجية في المعايير؟ لماذا نرضى لأنفسنا ما لا نرضاه لغيرنا؟
لقد قامت الدنيا في لبنان ولم تقعد، على خلفية تصريح وزير السياحة اللبناني أفيديس كيدانيان، عندما صرّح في برنامج حواري أنه بين لبنان وأرمينيا يختار أرمينيا. بطبيعة الحال اختيار الوزير اللبناني أرمينيا لا يعني أنه لا يحمل بين جنبات قلبه أي مشاعر وفاء وانتماء تجاه وطنه لبنان. وإذا كانت لدى بوكيلي أي مشاعر حنين لبلده الأصل فلسطين فهذا لا يعني أكثر من أنها مجرد مشاعر قلبية، إذ لا يُفترض أن يُطالب الرجل بأن يكرس جل جهده للعمل لفلسطين ومن أجل عيون الفلسطينيين.
هل سيروق لشعب السلفادور في حال انشغل رئيس بلاده بفلسطين ومشاكلها؟ هل هذا هو ما يشغل المواطن السلفادوري الكادح المغلوب على أمره؟ فلسطين لم تعد محط اهتمام عرب وفلسطينيين. بكل تأكيد باستطاعة ناييب بوكلي أن يسعى لتحقيق المزيد من الإنجازات لبلاده، بلاده السلفادور، في إطار مكافحة الفساد، على الأقل مقارنة مع ما يمكن له تحقيقه على جبهة الصراع العربي الإسرائيلي، أو ربما بات من الممكن القول الآن.. الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وهل السلفادور هي المطالبة بتوعية الشعب وبالتعبئة لمواجهة إسرائيل؟ إذا كانت الدول العربية بكل عدها وعتادها ونفوذها في العالم عجزت عن تحقيق ذلك، هل نطالب “جيش السلفادور الجرار” و”اللوبي السلفادوري المتغلغل في دوائر صنع القرار” بذلك؟
بدا الهجوم الذي نال من رئيس السلفادور بنعته بالفلسطيني الذي انسلخ عن جلده وما إلى ذلك، بدا هذا الهجوم وكأنه مطالبة ناييب بوكيلي بان يكون فلسطينياً أكثر من الفلسطينيين أنفسهم، ممن يصدّعون رؤوس العرب والعالم بالحديث عن المقاومة فيما لا يحرك هؤلاء ساكناً.
بناء عليه.. يجب ألا يسمح عربي لنفسه بالتعبير عن عتب أو حتى استياء عابر، إزاء مدرب منتخبه الوطني، القادم من البرازيل أو الأرجنتين، في حال أعد هذا “الخائن” خطة فاشلة للاعبين العرب لمواجهة منتخب بلاده.