ضغوط إسرائيلية غير مسبوقة على عمّان.. كيبوتس يراسل السفير الأردني في تل ابيب دفاعًا عن محامٍ مطرود
من سعيد الفلاحات

عمان ـ يورابيا ـ من سعيد الفلاحات ـ تواصل قضية المحامي الأردني علي أرشيدات إثارة جدل واسع في الأوساط القانونية والسياسية والإعلامية، بعد أن قرر مجلس نقابة المحامين الأردنيين شطبه نهائيًا من سجلات المزاولة، على خلفية تمثيله لشركات ذات ارتباطات تجارية مع الاحتلال الإسرائيلي، في خطوة وصفتها النقابة بأنها “حماية للقيم الوطنية وموقف الأردن الشعبي الثابت ضد التطبيع”.
خلفيات القضية: “حجازي وغوشة” ونزاع مع مستوطنات إسرائيلية
تعود جذور الأزمة إلى مجموعة شركات حجازي وغوشة، إحدى أبرز الشركات الأردنية العاملة في تصدير المواشي واللحوم، والتي كشفت وثائق إعلامية أنها تمتلك فرعًا مسجلاً داخل “إسرائيل” تحت اسم “رفت بعرافا المحدودة”، يتعامل تجاريًا مع مستوطنات في مناطق قريبة من مدينة إيلات المحتلة.
وتفجرت القضية عندما رفعت مستوطنة “إيلوت” الإسرائيلية دعوى قضائية ضد الشركة الأردنية مطالبة بتسديد مستحقات مالية تقارب 300 ألف دولار، ليتولى المحامي علي أرشيدات الدفاع عن الشركة في هذه القضايا.
غير أن هذا التمثيل القانوني أمام القضاء الإسرائيلي أثار موجة انتقادات حادة في الشارع الأردني، وداخل أوساط نقابة المحامين، التي اعتبرت أن الدفاع عن شركات تتعامل مع الاحتلال يعد خرقًا صريحًا لميثاق الشرف المهني ومخالفةً لموقف النقابة التاريخي المناهض للتطبيع.
ضغوط خارجية… “الكيبوتس” يوجّه رسالة للسفير الأردني
وفي تطور لافت أعقب القرار التأديبي، كشفت مصادر إعلامية عن أن كيبوتسًا إسرائيليًا – يُعتقد أنه يمثل إحدى المستوطنات المتضررة من النزاع التجاري – أرسل رسالة رسمية إلى السفير الأردني لدى تل أبيب غسان المجالي، طالب فيها بتدخل وزارة الخارجية ورئاسة الوزراء والديوان الملكي الأردني للضغط على شركة “حجازي وغوشة” لتسديد المستحقات المالية المزعومة.
كما شملت الرسالة طلبًا صريحًا بإعادة الاعتبار للمحامي علي أرشيدات، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة إسرائيلية للتأثير في قرار نقابة مهنية مستقلة داخل الأردن.
تصريحات مثيرة للجدل
وفي خضم تصاعد الجدل، أدلى أرشيدات بتصريحات علنية دعا فيها إلى السماح بتنظيم تظاهرات ضد الاحتلال الإسرائيلي، معتبرًا أن هذه الخطوة يمكن أن تتيح “تفريغًا للغضب الشعبي”.
لكن هذه التصريحات زادت من حدة الانقسام، إذ رأى فيها البعض محاولة لتبرير موقفه القانوني، فيما اعتبرها آخرون خلطًا بين الموقف المهني والسياسي في وقت تتزايد فيه الحساسية الشعبية تجاه أي علاقة مع الكيان الإسرائيلي.
موقف النقابة… وقراءة في أبعاد الأزمة
أكدت نقابة المحامين الأردنيين في بيانها أن قرار الشطب جاء بعد تحقيق مهني دقيق أثبت مخالفة أرشيدات لميثاق الشرف المهني من خلال الدفاع عن شركات “ذات مصالح مع الاحتلال”، مشددة على أن أي تعامل مباشر أو غير مباشر مع الكيان الإسرائيلي مرفوض قانونيًا وأخلاقيًا.
ويرى مراقبون أن هذه الحادثة تعكس صراعًا أعمق بين مقتضيات العمل القانوني وضرورات الالتزام الوطني، في ظل بيئة سياسية حساسة يعتبر فيها أي تواصل مع “إسرائيل” خطًا أحمر يتجاوز حدود المهنة إلى رمزية الموقف الوطني.
تحليل وتداعيات
يرى خبراء القانون أن القضية ستفتح بابًا جديدًا للنقاش حول حدود استقلال المحامي في قبول القضايا، خاصة في ظل وجود اتفاقيات سلام أو علاقات اقتصادية محدودة بين بعض الشركات الأردنية والجانب الإسرائيلي.
وفي المقابل، يؤكد التيار النقابي أن ما جرى هو تطبيق صارم لميثاق الشرف الوطني الذي يمنع المحامين الأردنيين واتحاد المحامين العرب من أي شكل من أشكال التطبيع، باعتباره انحيازًا أخلاقيًا للقضية الفلسطينية.
ويشير محللون سياسيون إلى أن الرسالة الإسرائيلية التي وُجهت إلى السفير الأردني تمثل تدخلاً غير مسبوق في الشؤون النقابية الداخلية، وتكشف عن حجم التوتر الكامن بين دوائر المصالح التجارية وبعض الأوساط القانونية في ظل تصاعد موجات التطبيع في المنطقة.
القضية لا تبدو مجرد نزاع مهني بين محامٍ ونقابته، بل مرآة لموقف وطني أوسع يعكس تمسك النقابات الأردنية بمبادئ المقاطعة ومناهضة التطبيع، في وقت تحاول فيه أطراف خارجية إعادة تعريف العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي من بوابة الاقتصاد والقانون.
وبينما يرى البعض في علي أرشيدات محاميًا أدى واجبه المهني ضمن إطار قانوني محدد، يعتبره آخرون رمزًا لتجاوز الخطوط الحمراء الوطنية، لتبقى القضية مفتوحة على نقاش أكبر حول هوية المهنة، وضمير الوطن.