ضغوطُ واشنطن وباريس على لبنان: حرصٌ مصطنَعٌ على تشكيل الحكومة أم رسائلُ مبطَّنةٌ لـ “حزب الله”؟
جمال دملج
يورابيا ـ بيروت ـ من جمال دملج ـ على رغم كافّة المؤشِّرات الإيجابيّة التي تجلَّت خلال اليومين الماضيين في الأوساط اللبنانيّة إثر إعلان رئيس الوزراء المكلَّف سعد الحريري عن أنّ الأسبوع المقبل سيكون أسبوع الحسم بالنسبة إلى ولادة التشكيلة الحكوميّة العتيدة بعد قرابةَ التسعةِ أشهرٍ من التأخير، فإنّ ما أُشيع البارحة من معلوماتٍ بخصوص اعتزام المشرِّعين الأميركيّين في الكونغرس العمل على إصدار قرارٍ يقضي بتجميد مساعدات الولايات المتّحدة المقرَّرة للبنان، في حال استمرار التعثُّر في مسار تأليف الحكومة، سرعان ما أضفى مسحةً تشاؤميّةً على أجواء التفاؤل النسبيّ السائدة، ولا سيّما أنّ هذه المعلومات، وإنْ بدَت في ظاهرها كما وأنّها تندرج في سياق المساعي الحميدة الرامية إلى التعجيل في فضِّ أزمةٍ سياسيّةٍ داخليّةٍ لبنانيّةٍ لا تزال تخضع منذ شهر أيّار (مايو) العام الفائت ولغاية يومنا الراهن لمشيئة التجاذبات الإقليميّة والدوليّة، ولكنّها حملَت أيضًا في طيّاتها إلى من يهمّهم الأمر على الساحة اللبنانيّة رسائلَ مبطَّنةٍ مؤدّاها أنّ مرحلة “غضّ الطرْف” في واشنطن عن التحالفات والتفاهمات والتكتيكات القائمة ما بين قصر بعبدا وما بين الضاحية الجنوبيّة تكاد توشِك في هذه الأيّام على نهايتها، بمعنى أنّ حالة التمايُز الذي يحظى به “حزب الله” في الأجندات المحلّيّة الرسميّة لم تعُد مقبولةً أميركيًّا بعد الآن، وهي الرسائل التي لا يختلف اثنان على أنّها تندرج في سياق الاستعدادات الجارية على قدمٍ وساقٍ في الولايات المتّحدة لحشد أكبر عددٍ ممكنٍ من الدول الغربيّة والعربيّة في “قمّة وارسو” المقرَّر انعقادها الشهر المقبل تحت شعار مواجهة “التهديد الإيرانيّ” في منطقة الشرق الأوسط، وخصوصًا بعدما كان لبنان الرسميّ قد اعتذر على لسان وزير الخارجيّة جبران باسيل أثناء اجتماعه الأخير في بيروت مع وكيل وزارة الخارجيّة الأميركيّة للشؤون السياسيّة ديفيد هيل عن المشاركة في هذه القمّة.
وإذا كان اثنان لا يختلفان أيضًا على أنّ هذه الرسائل المبطَّنة ما لبثت أن ألقَت بأعباءَ إضافيّةٍ على عهد رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون في مجال تحديد إبرة بوصلة خياراته الداخليّة بموجب تأثيرات الضغوط الخارجيّة، ولا سيّما أنّ التوجُّهات الأميركيّة المستحدَثة لم تأخُذ في الاعتبار لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ ما يتمتَّع به “حزب الله” من حضورٍ لافتٍ ومؤثِّرٍ في التركيبة اللبنانيّة على كافّة المستويات السياسيّة والبرلمانيّة والاجتماعيّة والعسكريّة، فإنّ ما زاد الطين بلّةً هذه المرّة بخصوص مدى خطورة الارتدادات المحتمَلة لتلك التوجُّهات على تعقيدات الملفّ الحكوميّ يتمثَّل في أنّ التلويح بورقة تجميد مساعدات الولايات المتّحدة للبنان تزامَن مع تلويحٍ فرنسيٍّ مشابِهٍ جاء على لسان وزير الخارجيّة جان إيف لودريان عندما قال في حديثٍ خاصٍّ مع الإذاعة العبريّة الرسميّة إنّ بلاده ستكون “حازمة جدًّا، خصوصًا حول إرسالِ أسلحةٍ من إيران إلى الجناح المسلَّح لحزب الله في لبنان”، وذلك في سياق تعليقه على كلام الرئيس الإسرائيليّ رؤوفين ريغلين الذي أعلن خلال زيارته لباريس أنّ “إسرائيل تحمِّل الحكومة اللبنانيّة مسؤوليّةَ عدوانيّةِ حزب الله”، على حدِّ تعبيره، الأمر الذي يبدو كافيًا في هذه الأثناء لكي يعزِّز الاعتقاد بأنّ الفرنسيّين دخلوا للتوّ في خندقٍ واحدٍ مع الأميركيّين بغية تركيز التصويب ضدَّ كلٍّ من العهد والحزب على حدٍّ سواء، تمامًا مثلما يبدو كافيًا في الموازاة أيضًا لكي يقطع بين الشكّ واليقين بأنّ “قمّة وارسو” المقرَّرة يوميْ الثالث عشر والرابع عشر من الشهر المقبل ستُفضي في نهاية المطاف إلى اتّخاذِ قراراتٍ أكثرَ حزمًا من أيِّ وقتٍ مضى للحدِّ من فاعليّة الأدوار التي جرت العادة على أن يلعبها الإيرانيّون في منطقة الشرق الأوسط، بما فيها لبنان بالطبع، وهو ما يعني استطرادًا أنّ أيَّ تفاؤلٍ في إمكانيّة خروج الأزمة الحكوميّة من عنق الزجاجة قبل انتهاء فعاليّات هذه القمّة لا يبدو منطقيًّا بأيِّ شكلٍ من الأشكال، حتّى ولو أنّ الوزير لودريان عبَّر في حديثه الآنف الذكر للإذاعة العبريّة عن أسفه للتأخُّر في تشكيل الحكومة اللبنانيّة، داعيًا جميع المسؤولين السياسيّين في البلد إلى “العمل للخروج من هذا المأزق السياسيّ الذي وضعوا أنفسهم فيه”، ومشدِّدًا على أنّه “لم يعُد يجوز اليوم القبول بهذا الوضع السورياليّ”، على حدِّ تعبيره.
ولعلّ السؤال الأهمّ الذي يُفترَض أن يُطرح في ضوء كلّ ما تقدَّم هو: إذا كان حرص الوزير الفرنسيّ على الأوضاع الداخليّة اللبنانيّة قد وصل إلى هذه الدرجة من الإحساس بالمسؤوليّة، فلماذا قرَّر يا ترى التلويح في سياق الحديث نفسه باحتمال تأجيل زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون المقرَّرة لبيروت الشهر المقبل وبأنّ باريس قد لا تتمكّن من الوفاء بالالتزامات التي قطعتها لمساعدة لبنان، سواءٌ الماليّة ذات الصلة بمقرَّرات “مؤتمر سيدر” أم العسكريّة المخصَّصة للجيش اللبنانيّ؟
سؤالٌ، أغلب الظنّ أنّ أيَّ إجابةٍ عنه لا يمكن أن تتفادى في المحصِّلة النهائيّة الإشارة إلى منسوب التوجُّس المتزايِد باضطرادٍ في معظم الأوساط الرسميّة والحزبيّة اللبنانيّة من سيناريوهاتٍ أميركيّةٍ – فرنسيّةٍ مشبوهةٍ باتت جاهزةً لوضعها حيِّز التنفيذ مع اقتراب الذكرى المئويّة الأولى للإعلان عن تأسيس “دولة لبنان الكبير” عام 1920، وهي السيناريوهات التي أقلّ ما يُمكن أن يُقال عنها، سواءٌ في السرّ أم في العلَن، إنّها أوشكَت على وضْع الجمهوريّة اللبنانيّة بشكلها الحاليّ أمام مفترقِ خياراتٍ بالغةِ الصعوبة والتعقيد… وحسبي أنّ أغلب الظنّ هنا يُمكن أن يبقى اعتبارًا من الآن وحتّى إشعارٍ آخَر مجرَّد اثم… والخير دائمًا في حِكمة العهد وقدرته على تجاوُز قطوع هذا الاستحقاق التاريخيّ بأقلِّ الأضرار المعنويّة الممكِنة من وراء القصد.