السلايدر الرئيسيصحف

صحيفة نيويورك تايمز: تركيا تعرض المساعدة في غزة بعد الحرب… لكن إسرائيل ترفض بشدة

من سعيد جوهر

واشنطن ـ يورابيا ـ من سعيد جوهر ـ قالت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية في تقرير موسّع إن تركيا، بصفتها أحد الضامنين لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، تسعى إلى لعب دور فاعل في مستقبل القطاع بعد انتهاء الحرب، مستفيدةً من قدراتها العسكرية، وخبراتها في مشاريع الإعمار، وعلاقاتها الوثيقة مع حركة حماس. غير أن إسرائيل، بحسب التقرير، ترفض بشكل قاطع أي تدخل تركي في إدارة ما بعد الحرب، معتبرةً أن أنقرة غير مؤهلة للقيام بمثل هذا الدور بسبب موقفها السياسي الداعم لحماس.

وأضافت الصحيفة أن تركيا برزت كلاعب رئيسي في التوصل إلى وقف إطلاق النار الأولي بين إسرائيل وحماس، حيث مارس الرئيس رجب طيب أردوغان ضغوطًا مباشرة على قيادة الحركة لدفعها إلى القبول بالاتفاق، ما جعل أنقرة أحد الضامنين الأساسيين له. إلا أن مواقف أردوغان السياسية خلال الحرب، ولا سيما تصريحاته الحادة ضد إسرائيل، جعلت الأخيرة تنظر بعين الريبة إلى نوايا تركيا.

وخلال فترة الحرب، صعّد أردوغان لهجته ضد تل أبيب، فاتهمها بارتكاب “إبادة جماعية” بحق الفلسطينيين، وذهب إلى حدّ تشبيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالزعيم النازي أدولف هتلر. كما أقدمت أنقرة على قطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع إسرائيل، في خطوة عززت القطيعة بين البلدين.

وتشير الصحيفة إلى أنه خلال زيارة نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إلى إسرائيل هذا الأسبوع، سُئل نتنياهو عمّا إذا كانت حكومته ستقبل بمشاركة قوات تركية في حفظ الأمن بغزة بعد الحرب. فأجاب ساخرًا: “لديّ آراء قوية جدًا في هذا الشأن… هل ترغبون في تخمينها؟”، في إشارة واضحة إلى رفضه القاطع للفكرة.

وفي المقابل، قال فانس إن الولايات المتحدة لن تفرض أي ترتيبات أمنية على إسرائيل تتعلق بوجود قوات أجنبية، لكنه أبدى اعتقاده بأن تركيا يمكن أن تلعب “دورًا بنّاءً” في إعادة الإعمار أو المراقبة.

ما الذي تريده تركيا؟

بحسب “نيويورك تايمز”، فإن تركيا ترى في مشاركتها المستقبلية بغزة فرصة سياسية واقتصادية في آنٍ واحد. ففي تصريحات له هذا الشهر، أكد أردوغان أن بلاده ستراقب عن كثب تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار “كلمةً بكلمة”، وأنها مستعدة للمشاركة “على الأرض” في جهود التنفيذ والإعمار، قائلًا: “سندعم إعادة إعمار غزة بالتعاون مع المجتمع الدولي حتى تتمكن من الوقوف على قدميها مجددًا.”

كما نقلت الصحيفة عن وزير الخارجية التركي حقان فيدان قوله إن مسؤولين أتراكًا شاركوا بالفعل في مراقبة وقف إطلاق النار الأولي، مشيرًا إلى أن أنقرة لن تتخذ قرارها النهائي بشأن المشاركة في قوة استقرار دولية مقترحة قبل تحديد هيكلها التنظيمي وقواعد الاشتباك الخاصة بها.

وفي السياق ذاته، أوضح متحدث باسم وزارة الدفاع التركية أن بلاده مستعدة لتقديم خبرتها في “حفظ السلام” من خلال مهام تشمل تأمين إيصال المساعدات الإنسانية، وتسيير دوريات أمنية، ومراقبة الحدود، وحماية البنية التحتية المدنية داخل القطاع.

لماذا تعترض إسرائيل؟

ترى الصحيفة أن معارضة إسرائيل الشديدة للدور التركي تستند إلى عدم ثقتها بالنوايا التركية، بسبب الدعم السياسي العلني الذي تقدمه أنقرة منذ سنوات لحركة حماس. ويخشى المسؤولون الإسرائيليون – بحسب التقرير – أن تكون نية تركيا الحفاظ على وجود حماس في غزة، لا المساعدة في تفكيكها.

وفي هذا السياق، قال الوزير الإسرائيلي عميشاي تشيكلي: “إذا كنت تريد السلام، وإذا كنت تريد أن تختفي حماس، فإن تركيا لا يمكن أن تكون جزءًا من المعادلة. تركيا تدعم حماس — إنها معادلة بسيطة جدًا.”

لكن، وبحسب “نيويورك تايمز”، فإن هذه العلاقة ذاتها مع حماس هي التي مكّنت أنقرة من التأثير في قيادة الحركة ودفعها نحو القبول بوقف إطلاق النار، كما أشار سنان أولجن، مدير مركز “إيدام” البحثي في إسطنبول، الذي قال: “تركيا وصلت إلى طاولة المفاوضات بفضل علاقتها مع حماس، وليس بسبب علاقاتها مع إسرائيل.”

وتستذكر الصحيفة حادثة أسطول الحرية عام 2010، حين نظمت منظمة إغاثية تركية مستقلة قافلة بحرية باتجاه غزة لكسر الحصار الإسرائيلي، فتعرضت لهجوم من قوات الكوماندوز الإسرائيلية أسفر عن مقتل تسعة نشطاء على متن السفينة مافي مرمرة، ما فجّر أزمة دبلوماسية حادة بين البلدين. ومنذ ذلك الحين، تنظر إسرائيل بعين الحذر إلى أي نشاط تركي في غزة، حتى وإن كان ذا طابع إنساني.

وخلال زيارة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى إسرائيل مؤخرًا، قال إن أي قوة استقرار دولية في غزة يجب أن “تتألف من دول تشعر إسرائيل بالارتياح تجاهها”.

وقالت جاليا ليندنشتراوس، الخبيرة في العلاقات الإسرائيلية – التركية في معهد دراسات الأمن القومي بتل أبيب، إن وجود قوات تركية قرب الجنود الإسرائيليين “قد يكون محفوفًا بالمخاطر”، متسائلة: “ماذا سيحدث إذا وقع اشتباك عرضي؟” وأضافت أن إسرائيل تشك في أن الأتراك يسعون “ليس فقط لتطبيق وقف إطلاق النار، بل للتأثير على الوضع الميداني بطريقة تمنحهم مزيدًا من النفوذ على إسرائيل.”

الدوافع التركية: بين السياسة والإعمار

وترى الصحيفة أن دوافع تركيا تتجاوز الاعتبارات الإنسانية، لتشمل أبعادًا سياسية واقتصادية داخلية وخارجية. وقال الباحث سنان أولجن إن هناك “دعمًا شعبيًا واسعًا داخل تركيا لدور نشط لبلادهم في استقرار غزة وإعادة إعمارها”، مشيرًا إلى أن أردوغان يسعى أيضًا لتعزيز صورته كزعيم عالمي مؤثر، وهو ما يعزز مكانته في الداخل التركي.

من جهته، أوضح أستاذ العلاقات الدولية أحمد قاسم هان من جامعة بيكوز في إسطنبول، أن أنقرة تسعى كذلك إلى فتح المجال أمام شركات البناء التركية للمشاركة في إعادة إعمار غزة، بشرط أن يتم التمويل من جهات دولية. وأضاف أن الحكومة التركية تتصور أيضًا “دورًا سياسيًا لحماس في مستقبل غزة”، رغم إدراكها أن ذلك لن يتحقق ما لم توافق الحركة على تسليم سلاحها — وهو ما يستبعده هان بقوله: “لا تركيا ولا أي جهة أخرى تستطيع إجبار حماس على ذلك.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى