السلايدر الرئيسيصحف

صحيفة نيويورك تايمز: الطائفة الدرزية عقيدة منعزلة تواجه أخطر اختبار لهويتها في شرق أوسط مضطرب

من سعيد جوهر

واشنطن ـ يورابيا ـ من سعيد جوهر ـ في تقرير موسّع نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، سلطت الضوء على الطائفة الدرزية بوصفها “عقيدة منعزلة” تحاول النجاة في بيئة إقليمية تمزقها الحروب والتحولات الجيوسياسية.

وركز التقرير على الأحداث الأخيرة في محافظة السويداء جنوب سوريا، حيث أدت الاشتباكات إلى مقتل المئات، وزعزعة الاستقرار في منطقة ظلت لفترة طويلة على هامش النزاع السوري، لكنها اليوم باتت في صميم صراعات النفوذ المتداخلة في المنطقة.

وأضافت الصحيفة أن الدروز، الذين لطالما اتّسم حضورهم السياسي بالحذر والانضباط، يجدون أنفسهم الآن مكشوفين ومشتتين، وسط اضطرابات داخل سوريا، وتزايد التدخل الإسرائيلي، وتحولات حادة في موازين القوى الإقليمية.

السويداء تحت النار: تصاعد العنف وعودة الأشباح القديمة

أشارت نيويورك تايمز إلى أن شرارة الأحداث اشتعلت في السويداء عندما اندلعت مواجهات دامية بين مقاتلين دروز وعناصر من عشائر بدوية، ما استدعى تدخلًا عسكريًا من قبل القوات الحكومية السورية، التي لم تكن موضع ترحيب من سكان المحافظة، حيث تسود مشاعر عدم الثقة بالحكم المركزي في دمشق، خاصة بعد تعيين الرئيس الجديد أحمد الشرع.

ونقلت الصحيفة عن المرصد السوري لحقوق الإنسان أن حصيلة القتلى تجاوزت 500 شخص، في واحدة من أكثر موجات العن دموية منذ سنوات، في منطقة كانت حتى وقت قريب تعتبر من آخر جيوب “الهدوء الحذر” في سوريا.

طائفة السر والغموض: بين الفلسفة والانكماش

وأوضحت الصحيفة أن الدروز، الذين يعود أصل عقيدتهم إلى القرن الحادي عشر، يشكلون أقلية دينية فريدة في المنطقة، إذ يُعرفون بتقاليدهم الباطنية، وانغلاقهم العقائدي، ورفضهم للاندماج الديني، مما دفع الكثيرين على مر العصور إلى وصفهم بـ”الزندقة” أو حتى “الهرطقة”، وهو توصيف رفضه الدروز دائمًا.

وتابعت نيويورك تايمز أن الديانة الدرزية تمزج بين التوحيد، والفكر الفلسفي الإغريقي، والتصوف، وتقتصر النصوص المقدسة فيها على نخبة من رجال الدين المعروفين بـ”العُقّال”، ما أضفى على الطائفة طابعًا غامضًا ميزها عن سائر المكونات الطائفية في الشرق الأوسط.

يعيش ما يقارب نصف مليون درزي في سوريا، أي نحو 3% من سكانها، بينما تنتشر الطائفة في لبنان، وإسرائيل، ومرتفعات الجولان المحتلة.

براجماتية البقاء: فلسفة درزية عابرة للحدود

وقالت نيويورك تايمز إن “البراجماتية السياسية” شكلت دائمًا العمود الفقري للفكر الدرزي، إذ ينص مبدأ ديني أساسي على وجوب الولاء للدولة التي يعيش فيها الفرد، أياً كانت، ما يفسر تباين مواقف الدروز بين دعم النظام السوري، والمشاركة في الجيش الإسرائيلي، والوساطات السياسية في لبنان.

ورغم ذلك، تشير الصحيفة إلى أن هذا الولاء لا يلغي الروابط العابرة للحدود التي تجمع الدروز، من ذاكرة جمعية، ونزعات حماي متبادلة، وأواصر عائلية وجغرافية.

ونقلت الصحيفة عن الكاتب السوري الدرزي فادي عزام، المقيم خارج سوريا، قوله:

“هذا المجتمع نجح في البقاء في واحدة من أكثر البيئات دموية على وجه الأرض، وما أنقذه هو الفلسفة فلسفة البقاء والانكماش وقت العاصفة”.

إسرائيل تدخل على الخط: تدخل محدود أم حماية مشروطة؟

وأضافت نيويورك تايمز أن الأزمة الأخيرة في السويداء دفعت إسرائيل للتدخل علنًا، بحجة “حماية أبناء الطائفة الدرزية”، ما أثار قلقًا واسعًا بين الدروز السوريين الذين يخشون استغلالهم كورقة ضغط إقليمية.

وقد تصاعدت التوترات داخل إسرائيل نفسها، حيث نظم الدروز الإسرائيليون احتجاجات تضامنًا مع إخوانهم في سوريا، وقام بعضهم بمحاولات عبور الحدود للمشاركة في القتال، ما دفع الجيش الإسرائيلي إلى الرد بقصف استهدف مواقع قرب دمشق، في رسالة وُصفت بأنها رمزية وعقابية في آن.

وقال رضا منصور، المؤرخ والسفير الإسرائيلي السابق من الطائفة الدرزية، إن “الدروز يعيشون اليوم أحد أصعب لحظاتهم… فلسفة الولاء الوطني التي اعتمدوها منذ قرون لم تعد تضمن لهم الأمن”.

في لبنان: إرث الكياسة السياسية

أما في لبنان، فقد حافظ الدروز، الذين يمثلون حوالي 5% من السكان، على نفوذ سياسي وازن من خلال زعامات تقليدية مثل آل جنبلاط وآل أرسلان. وأشارت الصحيفة إلى أن لبنان شكّل النموذج الأكثر استقرارًا للدروز في العالم العربي، رغم تعقيد نظامه الطائفي.

في إسرائيل: التجنيد لا يضمن المساواة

ذكرت نيويورك تايمز أن أكثر من 145 ألف درزي يعيشون في إسرائيل والجولان المحتل، حيث يتم تجنيد الرجال الدروز في الجيش الإسرائيلي، خلافًا لبقية العرب في الداخل.

لكن ذلك لم يمنع الدروز من التعبير عن استيائهم من قوانين تمييزية، لا سيما قانون القومية لعام 2018، الذي قنن الطابع اليهودي للدولة، وأقصى غير اليهود، بما في ذلك الدروز، من مفهوم “المواطنة الكاملة”.

وقال رضا منصور إن “الصيغة الدرزية كانت دائماً: كن أكثر المواطنين ولاءً لتضمن الحماية، لكن في السنوات الأخيرة بدأ كثيرون منّا يتساءلون: إلى أي مدى نجحت هذه المعادلة؟”.

السويداء بعد المعركة: مدينة جريحة ومستقبل غامض

وختمت الصحيفة تقريرها بمشهد من السويداء بعد المعركة، حيث خرج السكان من منازلهم ليتفقدوا الخراب: متاجر مدمرة، شوارع مليئة بالحطام، ودبابات متفحمة.

وفي مكان آخر، كان الكاتب فادي عزام ينعى عمّته التي قتلت في القصف، قائلاً: “لا أشعر بالتفاؤل، ولا أستطيع الاستسلام للتشاؤم… كل ما أعرفه هو أن يومنا هذا قاسٍ، ومشاعري كذلك”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى