السلايدر الرئيسيصحف

صحيفة “نيويورك تايمز”: أطفال الظل في الرياض… حين تتحول الأمومة إلى جريمة والقانون لا يطبق

من سعيد جوهر

واشنطن ـ يورابيا ـ من سعيد جوهر ـ تحت شمسٍ حارقة تتجاوز حرارتها 50 درجة ، تظهر بين السيارات على أحد أرصفة الرياض حفنة من الأطفال. صغارٌ يلهون بلا وجهة، وأمهاتٌ يختبئن في الظلال الممزقة على جانب الطريق. من بعيد، يبدو المشهد عابرًا؛ لكنه، كما تقول نيويورك تايمز، صورة مصغرة لمأساةٍ خفيّة يعيشها عشرات النساء المهاجرات القادمات من شرق أفريقيا، ومعهن أطفالٌ لا يعترف بهم أحد.

تقول الصحيفة إن هؤلاء الأطفال ليسوا متسولين ولا مشرّدين بالمعنى التقليدي، بل ضحايا فراغٍ قانوني وأخلاقي تشكّل في قلب واحدة من أكثر المجتمعات تحفظًا في العالم.
إنهم أبناء خادمات ومربيات كينيات، قدِمن إلى السعودية للعمل في البيوت، وانتهى بهنّ الأمر منسيّات على الأرصفة، لأنهن حملن بأطفال خارج إطار الزواج — وهي جريمة يمكن أن تودي بصاحبتها إلى السجن في المملكة.“في السعودية، لا مكان للنساء اللواتي يُنجبن خارج الزواج… ولا لأطفالهن.”

حياة على الرصيف

عند محطة وقود جنوب الرياض، تتكرر المشاهد نفسها يومًا بعد يوم:
داليا، طفلة في الثامنة ترتدي فستانًا أحمرَ مستعملًا وتتكلم الإنجليزية من مقاطع يوتيوب. بجانبها رضيع يُدعى “أبودي”، وُلد قبل 17 يومًا فقط. وأمهاتهم — فانِس، إستر، دوركاس، بينينا — كلهن عاملات منازل كينيات وجدن أنفسهن عالقات بين نظامين لا يعترف بهنّ أحدهما.

تقول فانِس (32 عامًا):“حاولتُ الرحيل… لكن الأمر كان مستحيلًا.”

فبعد أن أنجبن أطفالهن، اكتشفن أن القانون لا يسمح لهن بالحصول على شهادات ميلاد أو تصاريح خروج. الأطفال بلا هوية، والأمهات بلا حماية، والنتيجة: حياةٌ معلّقة في محطة وقود.

من الوعد إلى الخديعة

تشير نيويورك تايمز إلى أن كينيا، في السنوات الأخيرة، شجّعت آلاف النساء على العمل في السعودية، باعتبارها وجهة توفر فرصًا مالية مغرية. لكن تلك الوعود تخفي خلفها شبكة معقدة من الاستغلال، تشارك فيها وكالات توظيف خاصة ومسؤولون حكوميون كينيون يستفيدون من العمولات.

تعمل النساء لساعات طويلة في منازل مغلقة، يتعرضن أحيانًا للإيذاء الجسدي أو الجنسي. بعضهن يهربن من أرباب العمل ليصبحن عاملات مستقلات — وضع تصفه منظمات حقوق الإنسان بأنه شكل من أشكال “العبودية الحديثة”.

وعندما تقع إحداهن في علاقة أو تُغتصب وتحمل، تبدأ المأساة الحقيقية. فالمستشفيات مطالبة بإبلاغ الشرطة عن أي “حمل غير شرعي”، والإجهاض ممنوع إلا في حالات نادرة. تلجأ العديد من النساء إلى الولادة في منازلهن أو في مخابئ سرية بمساعدة صديقات، بعيدًا عن أعين السلطات.

الأمومة في الظل

داخل حضانات سرّية في أحياء الرياض، يتجمع الأطفال — بلا أسماء، بلا شهادات، بلا مستقبل. هذه الملاجئ تُديرها عاملات سابقات مثل “أغاثا”، التي تربي أطفال النساء الأخريات أثناء عملهن في التنظيف أو الطبخ.
في أحد هذه الأماكن، تلعب الطفلة “بريشَس” ذات الثلاثة أعوام. حذاؤها الذهبي مقلوب على القدم الخطأ. لا أحد يسأل من هي أو أين والدها.
والدتها، بينينا وانجيرو كيهيو، جاءت إلى المملكة في 2019، بعد أن روج البرلمان الكيني للعمل في الخليج كـ”فرصة وطنية للتنمية”.
لكن بعد أن حملت من سائق أجنبي، أصبحت منبوذة من الجميع — لا كينيا تريدها، ولا السعودية تسمح لها بالمغادرة مع ابنتها.

قوانين بلا تطبيق

القانون السعودي ينص بوضوح على أن كل طفل، بغض النظر عن وضع والديه، له الحق في الحصول على وثيقة هوية ورعاية صحية وتعليم.
لكن الواقع مختلف.
فبحسب مسؤول طبي تحدث إلى نيويورك تايمز، “لا توجد آلية واضحة للأم غير المتزوجة لتسجيل مولودها. يجب أن تمر عبر الشرطة، وأحيانًا عبر المحاكم، وغالبًا لا تصل إلى نتيجة”.

وهكذا، يتحول النص القانوني إلى حبرٍ على ورق.
فبدون شهادة ميلاد، لا يستطيع الطفل دخول المدرسة أو المستشفى أو حتى مغادرة البلاد.
وبينما تؤكد الحكومة السعودية أن “فصل الأم عن طفلها غير مسموح به تحت أي ظرف”، تكشف الصحيفة عشرات الحالات التي تم فيها ترحيل الأمهات دون أطفالهن، لأن الصغار بلا أوراق رسمية تسمح لهم بالسفر.

كينيا الغائبة… والسفارة التي لا تسمع

تضيف نيويورك تايمز أن السفارة الكينية في الرياض، بدلاً من مساعدة النساء، غالبًا ما تُهينهن. وصفتهن بعض الموظفات بـ“البغايا”، ورفضن إصدار وثائق لأطفالهن دون فحوص DNA تستغرق أحيانًا سنوات.
في أبريل الماضي، أقرّ وزير الخارجية الكيني موساليا مودافادي أمام البرلمان بوجود نحو 388 طفلًا كينيًا عالقين في السعودية — دون هوية، دون مستقبل.
ومع ذلك، لم تُقدَّم حتى الآن خطة واضحة لإعادتهم أو لتأمين حقوقهم.

تقول بيورتي مارانغو، إحدى الأمهات اللواتي تعرضن للاغتصاب:“ذهبت إلى السفارة وأنا حامل أبحث عن المساعدة، فوبّخوني بدلاً من أن يسمعوني.”

أمومة محاصرة بالعقاب

بينما تحاول بعض النساء إيجاد مخرج، تلجأ أخريات إلى ترك أطفالهن في الشوارع على أمل أن تتبناهم الدولة.
في مجموعات واتساب مغلقة، تتداول الأمهات صورًا لأطفال تُركوا على الطريق مع رسائل مثل:“من يعرف والدة هذه الطفلة؟ لقد تُركت وحدها.”

وفي المقابل، تنشر أخريات صور حفلات استقبال مواليد جديدة، في محاولة يائسة للتمسك بالحياة رغم المأساة.

تحولات السعودية… وحدود التغيير

خلال السنوات الأخيرة، قاد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حملة تحديث اجتماعي جذرية: السماح بالحفلات، اختلاط الجنسين، تقليص سلطة الشرطة الدينية.
لكن رغم هذا الانفتاح، تبقى بعض الحدود ثابتة — خصوصًا ما يتعلق بالعلاقات خارج الزواج أو حقوق غير المواطنين.
فلا يوجد قانون عقوبات مكتوب يحدد ما يُعد “زنا”، مما يترك مصير النساء رهينة المزاج البيروقراطي أو الاجتهاد الشرطي.تقول إحدى الأمهات: “في النهار، نحن شبح. في الليل، نحاول أن نبدو بشرًا.”

نهاية مفتوحة على الرصيف

في نهاية التقرير، تصف نيويورك تايمز مشهدًا يختصر المأساة:
في حي منفوحة، أقامت مجموعة من الأمهات مع أطفالهن مخيمًا صغيرًا على الرصيف بين أشجار مغبرة.
الناس يمرّون، بعضهم يعطي طعامًا أو زجاجة ماء، والبعض يشيح بوجهه.
تقول فانِس، وهي تحمل داليا على ذراعها:“قالوا إن الشرطة ستأتي لترحلنا من هنا… لم تأتِ الشرطة أبدًا.”

في الليالي الطويلة، حين تهدأ ضوضاء المدينة، تسمع الأمهات صوت أنفاس أطفالهن وهم ينامون على الإسفلت.
بلا أسماء، بلا وطن، بلا قانون يعترف بأنهم — ببساطة — موجودون.

التحقيق الذي أجرته نيويورك تايمز لا يتحدث فقط عن مأساة إنسانية معزولة، بل عن ثغرة أخلاقية في النظام الدولي لتشغيل العمالة المهاجرة، وعن فشل مزدوج: دولٍ تُرسل مواطنيها بحثًا عن المال، ودولةٍ تستقبلهم دون ضمانٍ للكرامة.
وبين بيروقراطية السفارات وصمت القوانين، تبقى الحقيقة قاسية ومجردة:في قلب الرياض، يكبر جيل من الأطفال بلا أوراق، بلا وطن، وبلا حق في أن يُقال عنهم يومًا إنهم وُلدوا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى