
باريس ـ يورابيا ـ من سعيد حوا ـ في مشهد يعكس هشاشة التوازنات الجديدة في سوريا ما بعد الأسد، طفت على السطح ملامح أزمة عميقة بين القيادة الانتقالية والدروز حسبما ذكرت صحيفة لوموند الفرنسية، في أعقاب الاشتباكات الدامية التي اندلعت في محافظة السويداء منذ 13 يوليو/تموز، وأسفرت عن سقوط مئات القتلى. فالمواجهة التي جمعت بين فصائل درزية وقوات حكومية مدعومة بميليشيات بدوية، كشفت ليس فقط عن عمق الانقسامات الطائفية، بل أيضًا عن حدود سلطة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، الذي بدا أضعف من أن يفرض هيبة الدولة أو يرسخ خطًا وطنيًا جامعًا.
وقالت الصحيفة انه في ظل احتدام المعارك واتساع رقعة العنف، اضطرت دمشق لإبرام اتفاق لوقف إطلاق النار تم التوصل إليه بوساطة أميركية‑تركية‑أردنية، وبموافقة ضمنية من إسرائيل التي دخلت على خط الأزمة دعماً للدروز.
واكدت الصحيفة ان هذا التراجع الدبلوماسي كشف عن حجم الضغوط التي خضعت لها القيادة السورية الجديدة، وعمّق الشكوك حول استقلال قرارها السياسي.رغم الخطاب التصالحي الذي تبناه الرئيس الانتقالي أحمد الشرع منذ توليه السلطة، إلا أن واقع الأحداث كشف عن هشاش موقفه في مواجهة القوى الداخلية والخارجية المتشابكة.
إذ بدا واضحًا أن الشرع اضطر للتنازل أمام الضغوط الإسرائيلية المتزايدة، خصوصًا تلك التي مورست لصالح الطائفة الدرزية، ما شكّل سابقة في علاقة الدولة الجديدة مع الملفات السيادية.
واضافت الصحيفة ان هذا التراجع السياسي، الذي تُرجم بقبول وقف إطلاق النار برعاية أطراف إقليمية ودولية، سلّط الضوء على العجز المتزايد للشرع في فرض خط معتدل على قواته، لا سيما أن فصائل من الجيش أظهرت ميولًا انتقامية، وشاركت بشكل مباشر في انتهاكات ضد المدنيين. ضعف السيطرة هذا أثار تساؤلات جدية داخل الأوساط السورية، وحتى بين حلفاء الشرع، حول قدرته على قيادة مرحلة انتقالية قائمة على التعددية والمساءلة، لا على موازين القوى والانحيازات الطائفية.
مساء الجمعة، انتشرت قوات حكومية على الطرق المؤدية إلى السويداء لوقف تعزيزات بدوية كانت تتجه نحو المدينة التي تعاني من حصار وقصف، في مشهد بدا أقرب إلى انهيار تام لسيطرة الدولة. ومع انسحاب الجيش تحت الضغط الإسرائيلي، أعلنت دمشق عن إرسال قوة تدخل خاصة، في خطوة قوبلت بالريبة من قبل الفصائل الدرزية.
وفي حين أعلنت القيادة الدرزية استعدادها للتهدئة، عبّر زعيمهم الديني، الشيخ حكمت الهجري، عن رفضه لأي اتفاق لا يضمن أمن الدروز واستقلالية قرارهم المحلي. ويبدو أن هذا الموقف يعكس شعورًا متجذرًا بانعدام الثقة تجاه الحكومة، خاصة بعد تورط وحدات عسكرية رسمية في دعم الهجمات البدوية، وما تبع ذلك من فظائع وثقتها منظمات دولية.
وفي هذا السياق، صرّح فراس قنطار، الناشط الحقوقي السوري الفرنسي لصحيفة لوموند، أن ما حدث في السويداء يُمثّل نقطة تحول في العلاقة بين الدروز والدولة: “اعتبر أبناء الطائفة ما حدث غزوًا لا حملة أمنية، والشيخ الهجري تحوّل إلى رمز شعبي لأنه جسّد صوت من رفض الخضوع”. وشدد على أن الثقة بالمؤسسات الرسمية تآكلت بشكل خطير منذ مجازر مارس التي طالت العلويين، مرورًا بتقاعس الحكومة في محاسبة الجناة، وحتى أحداث السويداء الأخيرة.
في غضون ذلك، تكافح القيادة في دمشق لترميم العلاقة مع الفصائل الكردية التي تشترط استقلالًا سياسيًا وعسكريًا في شمال شرق البلاد مقابل اندماجها في الدولة الجديدة. وتبدو تلك الشروط انعكاسًا لمخاوف عامة بين الأقليات من أن تكون الحكومة الحالية، رغم تغيير رأس النظام، امتدادًا لنهج الاستبداد والطائفية القديم.
وفقًا للعديد من المراقبين، فإن فشل الشرع في بناء مؤسسة عسكرية تمثل الطيف السوري المتعدد، يكرّس المخاوف من انزلاق البلاد نحو صيغ حكم إقصائية، ويضعف من فرص المصالحة الوطنية. إذ لا تزال القوات المسلحة تتشكل في معظمها من الفصائل الإسلامية السنية التي شاركت في إسقاط النظام السابق، دون تمثيل فعلي للأقليات.
بعد مقتل أكثر من 700 شخص في معارك السويداء، لم تعد الأزمة مجرد نزاع محلي، بل مؤشراً على أزمة شرعية متفاقمة تطال رأس الدولة. فالرهانات الآن تتجاوز الأمن، لتشمل شكل الدولة، وهويتها، وموقعها في خارطة ما بعد الحرب. والسؤال المطروح بإلحاح هو: هل ما زال بالإمكان إنقاذ مشروع دولة سورية موحدة وديمقراطية، أم أن الشرع فقد زمام المبادرة أمام ديناميات طائفية وأمنية يصعب كبحها؟