صحيفة فايننشال تايمز: السعودية تتراجع عن مسار التطبيع مع إسرائيل بعد حرب غزة وتتحول نحو إيران
من سعيد سلامة
لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ قالت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية إن مسار التقارب بين إسرائيل والسعودية، والذي كان يلقى دعمًا من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب، قد تعرض لانتكاسة كبيرة عقب هجوم حماس في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 والحرب التي أعقبته في غزة.
وأضافت الصحيفة أن نتنياهو صرّح مؤخرًا لوسائل إعلام محلية قائلاً: “دعوني أتعامل مع السعودية والسلام مع الآخرين”، مضيفًا: “صدقوني، لم أفكر في الأمر فحسب، بل أفكر فيه بالفعل”. لكن، وبحسب فايننشال تايمز، لم يعد من الواضح أن لدى نتنياهو شريكًا راغبًا في الرياض.
وذكرت الصحيفة أن حسابات المملكة تغيرت بشكل كبير منذ بدء الحرب، مشيرة إلى أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ردّ بغضب على العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، وسارع إلى إعادة بناء العلاقات مع إيران، خصم السعودية التقليدي.
وأكدت الصحيفة أن الهجوم الإسرائيلي على إيران جعل السعودية أكثر حذرًا من إسرائيل، التي باتت تُعتبر من قبل بعض دوائر الحكم في الرياض كقوة عسكرية مزعزعة للاستقرار. وقالت إن المملكة اتخذت خطوات علنية لتعزيز العلاقات مع طهران.
ونقلت فايننشال تايمز عن مصدر مطلع على تفكير الحكومة السعودية قوله: “ستحافظ دول الخليج على تقاربها مع إيران. إنها سياسة حكيمة مع جارها الأكبر في الخليج. لكنها تُضعف فرص التطبيع مع إسرائيل، وتجعل السعودية أكثر تصميمًا على كسب تأييدها في الملف الفلسطيني”.
كما نقلت عن حسن حسن، الباحث البارز في شؤون الشرق الأوسط بالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، أن “تكلفة السمعة على السعودية ـ نتيجة التطبيع مع إسرائيل ـ أعلى بكثير الآن، سواء على الصعيد المحلي أو على صعيد مكانتها القيادية الإقليمية والإسلامية”.
وأشارت الصحيفة إلى أن خطط الأمير محمد قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول كانت تهدف لإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل مقابل معاهدة دفاعية أميركية، في ما كان سيشكل إعادة ترتيب تاريخية لمنطقة الشرق الأوسط.
وأضافت فايننشال تايمز أنه خلال إدارة ترامب الأولى، طبّعت الإمارات والبحرين علاقاتهما مع إسرائيل عام 2020 بموجب اتفاقيات إبراهيم، لكن السعودية – بصفتها زعيمة العالم الإسلامي والمدافعة التاريخية عن القضية الفلسطينية – كانت تعتبر بمثابة الجائزة الكبرى لتل أبيب.
وأكدت الصحيفة أن كل شيء تغيّر بعد اندلاع الحرب، إذ وصف الأمير محمد الهجمات الإسرائيلية على غزة مرارًا بأنها “إبادة جماعية”، وأعرب المسؤولون الخليجيون عن خشيتهم من أن تؤدي صور الدمار إلى تطرف الجيل الجديد. وقالت إن الحرب جعلت التطبيع مرفوضًا شعبيًا بين الشباب السعوديين الذين يرتكز عليهم الأمير محمد في تنفيذ رؤيته الاقتصادية.
وأضافت الصحيفة أن الأمير محمد اشترط أن يسبق أي خطوة تطبيعية وقف إطلاق النار واتخاذ خطوات ملموسة نحو قيام دولة فلسطينية.
وتابعت الصحيفة أن السعودية عززت من علاقاتها مع إيران في ظل تصاعد الحرب الإقليمية. وأشارت إلى أن العلاقة بين المملكة السنية والجمهورية الإسلامية الشيعية كانت عدائية لسنوات، بسبب ما تعتبره الرياض تدخلاً إيرانيًا في دول مثل لبنان واليمن.
لكن فايننشال تايمز لفتت إلى أن السعودية قررت تغيير استراتيجيتها جزئيًا بعد ما وصفته بـ”رد الفعل الأميركي الفاتر” على هجمات 2019 ضد البنية التحتية النفطية السعودية، والتي اتُّهمت طهران بالوقوف وراءها.
وأفادت الصحيفة أن المملكة استأنفت العلاقات مع إيران في مارس/آذار 2023، ومنذ ذلك الحين كثف الجانبان التواصل، حيث يتحدث الأمير محمد والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بانتظام، ويتبادل المسؤولون رفيعو المستوى الزيارات والاتصالات، في وقت تخشى فيه السعودية من الانجرار إلى حرب إقليمية واسعة.
وقالت الصحيفة إن السعودية أدانت الهجمات الإسرائيلية على غزة، وأشارت إلى أن وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان أجرى محادثة مع رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية عبد الرحيم موسوي، ناقشا خلالها “الجهود المبذولة للحفاظ على الأمن والاستقرار”.
وأضافت فايننشال تايمز أن السعودية ترى أن إضعاف إسرائيل لإيران أو وكلائها مثل حزب الله يجعل طهران أقل تهديدًا نسبيًا، حتى وإن زاد ذلك من احتمالات سعيها لامتلاك رادع نووي.
ونقلت عن غريغوري غوس، الباحث الزائر في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، قوله إن “إيران عام 2022 ليست إيران عام 2025″، مضيفًا أن “إسرائيل المنتصرة عام 2025 تبدو عنصرًا مزعزعًا للاستقرار السياسي في المنطقة”.
وأشارت الصحيفة إلى أن التطبيع مع إسرائيل كان من شأنه أن يمنح السعودية موقعًا سياسيًا خاصًا في واشنطن، إذ عبّر ترامب عن حلمه في إدخال السعودية في اتفاقيات إبراهيم. ونقلت عنه قوله خلال زيارته إلى الرياض في مايو/أيار: “سيكون حدثًا مميزًا”.
وأضافت أن ترامب صرح مؤخرًا لقناة فوكس نيوز بأنه يتوقع أن تنضم دول أخرى إلى اتفاقيات إبراهيم بعد انتهاء الحرب، قائلاً: “أعتقد أننا سنبدأ في حشد الدعم لها، لأن إيران كانت المشكلة الرئيسية”.
وفي ختام التقرير، قالت الصحيفة إن بعض المسؤولين الإسرائيليين يرون أن اتفاقًا أمنيًا محدودًا، مثل “اتفاق عدم قتال” مع سوريا، قد يكون بديلاً أسهل وأسرع من التطبيع الكامل مع السعودية.
ورجّحت الصحيفة أن يكون لدى السعودية ودول الخليج الأخرى بديل آخر لإرضاء ترامب يتمثل في الاستثمارات الضخمة، مشيرة إلى أن دول الخليج تعهدت خلال زيارة الرئيس الأميركي الأخيرة باستثمارات تريليونية تأمل من خلالها الوصول إلى تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والأسلحة المتقدمة.
ونقلت عن حسن الحسن قوله: “على عكس ترامب، لا يواجه السعوديون نفس الضغط الزمني” لعقد اتفاق. “وعلى الرغم من مخاوفهم… أعتقد أنهم في وضع جيوسياسي مريح بما يكفي لعدم الاضطرار إلى فعل شيء لا يرغبون فيه”.
