السلايدر الرئيسيكواليس واسرار

سوريا بين عودة داعش وتحولات الفصائل العابرة للحدود.. محاولة اغتيال الرئيس الشرع ومخاطر إعادة إنتاج مأساة 2014

من سعيد إدلبي

دمشق ـ يورابيا ـ من سعيد إدلبي ـ تشهد سوريا اليوم مرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها ملامح الانفراج السياسي بعد سقوط نظام الأسد مع تصاعد التهديدات الأمنية الناتجة عن عودة تنظيم داعش وتنامي دور الفصائل الجهادية العابرة للحدود، لا سيما تلك القادمة من آسيا الوسطى. هذا المشهد المركب تكثّف بصورة دراماتيكية في أعقاب محاولة اغتيال الرئيس السوري أحمد الشرع، والتي كُشف عنها مؤخراً وأحبطت بفضل تعاون استخباراتي إقليمي. إن تزامن هذه الأحداث يشير إلى أن سوريا مقبلة على مرحلة جديدة، لا تقل خطورة عن الحقبة التي شهدت صعود داعش عام 2014.

منذ العام 2023، رُصد تصاعد ملحوظ في نشاط داعش داخل الأراضي السورية، حيث نفذ التنظيم ما يقارب 294 عملية إرهابية في العام المذكور، مقابل 121 عملية فقط في مطلع عام 2024. هذا الارتفاع في وتيرة العمليات يكشف أن التنظيم لم يفقد قدراته بشكل كامل كما افترض البعض، بل أعاد ترتيب أولوياته واستراتيجياته، مستفيداً من هشاشة الدولة المركزية وتراجع الاهتمام الدولي بالملف السوري. اليوم، يعتمد داعش على استراتيجية اللامركزية، عبر خلايا صغيرة قادرة على التحرك بخفة، مع التركيز على العمليات النوعية التي تستهدف القوات الحكومية والكردية على حد سواء، فضلاً عن السعي إلى ضرب القيادة السياسية لإضعاف شرعية النظام الوليد.

محاولة اغتيال الرئيس أحمد الشرع تمثل نقطة انعطاف خطيرة في هذا السياق. فبحسب ما أوردته صحيفة النهار اللبنانية استناداً إلى مصادر أمنية عراقية، فإن عناصر منشقين عن هيئة تحرير الشام – كانوا سابقاً جزءاً من الفرع السوري لتنظيم القاعدة – خططوا لاغتيال الشرع في دمشق. هؤلاء المنشقون، الذين لم يقبلوا بسياسات الشرع ومواقفه بعد وصوله إلى السلطة عقب سقوط الأسد، سعوا إلى تقويض النظام الجديد عبر ضربة قاصمة تطال رأسه مباشرة. وقد تمكنت المخابرات السورية من إحباط الخطة بعد تلقي معلومات استخباراتية دقيقة من الجانب العراقي، في إطار تعاون أمني متنامٍ بين بغداد ودمشق.

هذه المحاولة ليست حادثة معزولة، بل تأتي في سياق ديناميكيات أوسع. فقد أشارت تقارير متطابقة إلى وجود خطة موازية لاستهداف مناطق الأقليات الدينية والعرقية في سوريا، في محاولة لإشعال صراع طائفي يعيد البلاد إلى أجواء الحرب الأهلية. كما أُشير إلى أن بعض العناصر الذين خططوا للاغتيال انخرطوا لاحقاً في صفوف داعش، ما يعكس مرونة هذه الجماعات وقدرتها على التحول والاندماج. الأخطر أن بعض التسريبات تحدثت عن خطة أخرى لاستهداف الشرع داخل القصر الرئاسي نفسه، وهو ما يكشف عن حجم الاختراقات الأمنية والتحديات التي تواجه الحكومة السورية الجديدة.

إلى جانب داعش، برزت خلال السنوات الماضية فصائل جهادية قادمة من آسيا الوسطى كفاعل أساسي في الساحة السورية. من أبرز هذه الفصائل الحزب الإسلامي التركستاني (TIP)، وكتيبة التوحيد والجهاد (KTJ)، وجماعة الإمام البخاري (KIB). هذه الجماعات التي حملت معها مقاتلين وعائلاتهم من الصين وأوزبكستان وطاجيكستان وقرغيزستان، سرعان ما تأقلمت مع المشهد السوري وأصبحت جزءاً من نسيجه العسكري والسياسي، لاسيما في إدلب ومحيطها حيث تعمل تحت مظلة هيئة تحرير الشام.

الحزب الإسلامي التركستاني يُعتبر الأكثر تنظيماً بين هذه الفصائل، إذ يملك معسكرات خاصة وتجمعات عائلية تُدار بانضباط شبه عسكري، بينما تعمل كتيبة التوحيد والجهاد وجماعة الإمام البخاري في أطر أكثر مرونة، وتشارك أحياناً في عمليات مشتركة مع هيئة تحرير الشام. أما داعش – ولاية خراسان (ISKP)، فقد حاول الاستفادة من خبرات هذه الفصائل عبر التنسيق أو الاستقطاب، مما يضاعف خطورة التهديد العابر للحدود. هذه التنظيمات لا تسعى فقط إلى البقاء في سوريا، بل تراها قاعدة استراتيجية ومنصة لتصدير مقاتلين وأفكار إلى آسيا الوسطى وروسيا.

إن وجود هذه الفصائل يضيف طبقة إضافية من التعقيد إلى المشهد السوري. فهي ليست مجرد مجموعات محلية، بل تمثل امتداداً لصراعات إقليمية ودولية، وتحظى بشبكات تمويل عابرة للحدود تشمل الشتات في تركيا وأوروبا وآسيا الوسطى، إلى جانب قنوات تهريب غير رسمية. أهدافها المرحلية تركز على تثبيت وجودها وتأمين ملاذ آمن، لكنها في المدى البعيد تضع في أولوياتها العودة إلى بلدانها الأصلية لمواجهة الأنظمة هناك، أو استهداف روسيا كقوة إقليمية مؤثرة.

في هذا السياق، تبدو سوريا اليوم كساحة اختبار لتقاطع أجندات متعددة: داعش الذي يسعى إلى إعادة فرض نفسه عبر استهداف القيادة السياسية وضرب الاستقرار، فصائل آسيا الوسطى التي ترى في سوريا ملاذاً ومنصة للتوسع، وهيئة تحرير الشام التي تحاول موازنة هذه القوى لتكريس سلطتها المحلية. في قلب هذه المعادلة، يظهر الرئيس أحمد الشرع كهدف مشترك لمختلف الجماعات الرافضة لأي تسوية سياسية لا تخدم مصالحها.

إن إحباط محاولة اغتيال الشرع يمثل نجاحاً تكتيكياً مهماً، لكنه لا يقلل من خطورة التهديدات المتزايدة. فالأرقام والمؤشرات تظهر أن سوريا تواجه اليوم بيئة أمنية أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، بيئة تزداد فيها احتمالات التحالفات المؤقتة بين الجماعات المتطرفة، وتتعاظم فيها مخاطر الهجمات النوعية. هذا الواقع يفرض على الحكومة السورية الجديدة، وعلى حلفائها الإقليميين والدوليين، أن يتبنوا مقاربة شاملة تتجاوز الحلول الأمنية التقليدية.

هذه المقاربة يجب أن ترتكز على ثلاث مستويات: أولاً، تعزيز التماسك الداخلي وحماية الأقليات، لتفويت الفرصة على أي محاولة لإشعال صراع طائفي. ثانياً، إطلاق برامج متكاملة لمكافحة التطرف تشمل التعليم والإعلام وإعادة التأهيل، من أجل تجفيف منابع الفكر المتطرف. وثالثاً، تكثيف التعاون الدولي والإقليمي لضمان السيطرة على الحدود ومنع انتقال المقاتلين وتمويلهم.

فالتحدي الأكبر اليوم لا يكمن فقط في بقاء داعش أو صعود فصيل بعينه، بل في احتمال تحوّل سوريا إلى بؤرة مركزية جديدة للإرهاب العابر للحدود، بما يعيد إنتاج مأساة 2014 بصورة أكثر تعقيداً. وإذا لم يتم احتواء هذه التهديدات بشكل حاسم، فإن البلاد ستظل عرضة لدوامة من العنف تعرقل أي مسار سياسي، وتفتح الباب أمام جولات جديدة من التدخلات الإقليمية والدولية.

في النهاية، تكشف التطورات الأخيرة أن سوريا تقف عند مفترق طرق تاريخي: إما أن تنجح في ترسيخ استقرار سياسي وأمني يقطع الطريق على عودة الإرهاب، أو أن تتحول مجدداً إلى ساحة صراع عالمي، يدفع ثمنه الشعب السوري والمنطقة بأكملها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى