أقلام يورابيا

سبتمبر..نيويورك..وتونسية في غزة

ليلى العياري

أن تتواجد تونسية ليبرالية مع أولادها في غزة الخاضعة للإحتلال العسكري الإسرائيلي والمشحونة بأجواء دينية محافظة تقودها حركة إسلامية ثورية، في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، فتلك حالة تكعيبية من التناقضات العجيبة تستحق إعادة القراءة والتأمل بعد ثماني عشرة سنة من تلك اللحظة التاريخية.

هذا ما فكرت فيه، وأنا أتجهز للكتابة عن “تداعيات” أحداث سبتمبر الدامية في نيويورك وواشنطن، لأكتشف أن التداعيات لا يمكن فصلها عن الذاكرة الشخصية عندي.

كان ذلك النهار من 11 سبتمبر في عام 2001 مفخخا بالأخبار كعادته، فأنا في غزة المرهونة تحت العدوان المستمر، والانفجارات متوقعة مثل أي تحية صباح ومساء في قطاع محاصر ومحتل لا أفق أمامه إلا بحر تم أيضا حصاره إحتلالا.

وسط تلك الأجواء السوريالية الموجعة، كانت شاشة التلفزيون قد بدأت ببث ذلك التسجيل الأكثر شهرة في تاريخ “الأكشن” في العالم، التسجيل الذي سيوثق لأول صاعق تفجير في صراعات البشر الحديث، مشهد الطائرة التي تلج عمارة خرسانية في مدينة نيويورك، تدخلها وتنفجر في داخلها وتفجرها.

تسجيل مرعب اعتقدت للمرة الأولى وأنا أشاهده أنني امام فيلم هوليودي آخر يتابعه أحد أبنائي بعد أن غير قناة الأخبار التي كنت أتابعها كما توهمت، وفكرت بتلك السرعة التي توهمت فيها أن ابني قد غير فيها المحطة، لأدرك بعد زمن طويل، أن السرعة كانت في تلك اللحظة هي في تغيير وجه العالم كما كنا نعرفه.

ذلك التسجيل، والذي حقق أول حالة ذهول جمعية في تاريخ العالم بعد ظهور التلفزيون، انتهى بعد تكراره عشرات المرات ليتوالى بعد ذلك سيل منهمر من التحليلات، والخبراء والمتحدثين بكل اللغات، يحللون الحدث كل حسب رؤيته، بينما كان غالبية “الإسلاميين” يهللون للحدث، علنا أو تشفيا بخبث، باعتباره انتصارا على الشيطان الأكبر!!

تلك اللحظة، كان العالم ينقسم عند هؤلاء المتشفين، إلى دار كفر ودار إيمان، قد انهار البرجان.. فبأي آلاء ربكما تكذبان!!

بين كل سيل الأمنيات المتضاربة والمتقاطعة في شبكة التحليلات المعقدة التي لفت العالم، كان الواقع ينسج خيوطه بعديا عن كل الرغبات، لأنه واقع.

فالهجوم، لم ينتج إنتصارا لأحد، كما أنه بالضرورة لم يخلق هزيمة لأحد، ولم يكن بداية معركة بل إعلانا لمعركة مؤجلة منذ زمن طويل، وظفتها واشنطن كعادتها في سياساتها البراغماتية خير توظيف بعد صحوة سريعة من الصدمة، ووظفها الإسلاميون بما يكفي لتمددهم وتمدد براغمياتهم أيضا إلى حدود تتجاوز مقاصد الشريعة التي صارت تشمل كل ما يرونه مناسبا لتحقيق مقاصدهم السياسية.

كانت القاعدة، التجلي الأحدث حينها للخوارج، كانوا الصيغة الأكثر حداثة لعبدالرحمن بن ملجم، الذي طعن الإمام علي بخنجر مسموم وهو في كامل لياقته الإيمانية، إيمان أعمى لا يدرك ولا يعقل.

وكان هجوم القاعدة نفسه، تجليا جديدا في عالم يبحث عن مرسم خرائط جديد لإعادة تكوين قواه الجديدة، بعد ثورة تكنولوجيا المعلومات، التي صارت قوة التغيير الرئيسة لكل وجه الكوكب.

وعربيا، كان العالم العربي المتهم والضحية، حالة غريبة واقعيا لكنها واقعية حد الوجع.

في الحادي عشر من سبتمبر..عام 2001

كنت يومها في غزة، تونسية مؤمنة بالإنسان الحر، أشارك في التصدي أمام احتلال عسكري مفضوح، في بيئة مقهورة يتسلل من ثنايا القهر فيها المتحدثون باسم الله، أشاهد ببث مباشر “غزوة تاريخية” مقذوفة من القرن السابع تستهدف مدنيين أبرياء في عقر دار الرأسمالية المتوحشة، والتي تدعم الاحتلال و توسع دائرة القهر. فأي فانتازيا أكثر من ذلك؟

وفي الحادي عشر من سبتمبر..عام 2018

أنا في تونس بعد “ثورتها” على نفسها..تونسية لا أزال مؤمنة بالإنسان الحر، توسعت مشاركتي لأتصدى لكل عتمة تتمترس خلف أي دين او معتقد او أجندة سياسية، في بيئة يكاد يصيبها اليأس وقد مسها القهر، أشاهد في بث حي واقعي كل يوم وكل ساعة، استهداف الإنسان ووعيه من كل جانب.

فأي دراما أكثر من ذلك.

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى