زيارة ولي العهد السعودي إلى واشنطن في نوفمبر 2025 … رحلة إعادة بناء شراكة استراتيجية
من سعيد سلامة
لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ في نوفمبر من العام 2025، من المقرر أن يقوم ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بزيارة رسمية إلى واشنطن، وهي لم تكن في أي يوم عادي على جدول العلاقات الدولية. فالزيارة، رغم أنّ عليها هالة بروتوكولية معترف بها، تبدو وكأنها اتفاق على لحظة مفصلية لإعادة ضبط أسس الشراكة بين الرياض وواشنطن بعد فترة من التوتر والتحوّل في الدينامية العالمية.
الرسالة السعودية الأولى تبدو اقتصادية: افتحوا لنا أبواب الاستثمار، الخصخصة، والابتكار. فالمملكة تحت مظلة رؤيتها 2030، تسعى إلى الانفتاح على التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي، إلى جانب القطاعات الاستراتيجية كالتعدين والطاقة النظيفة. وفي مقابل ذلك، تنتظر الرياض رد فعل واشنطن بترحيب وتأمين نقل تقني وتعاون عسكري معترف به.
ما لم يُعلَن هو ما وراء الكواليس: الولايات المتحدة من جهتها تريد التأكد من أن السعودية ستكون “حليفًا ثابتًا” في مواجهة التحديات الكبرى، بدءًا من المنافسة مع الصين وصولًا إلى السلوك الإيراني في المنطقة. ولهذا، فإن الرياض قد تُقدم على تأكيد التزامات مستقبلية في الأمن الإقليمي، وربما تلتزم بمحور أكثر وضوحًا في مواجهة النفوذ الإيراني.
اقتصاديًا، لا تتعلق القصة فقط بمليارات الدولارات. فهي فرصة للرياض لإعادة تعريف نفسها كلاعب اقتصادي ناشئ، لا مجرد دولة نفطية. وللولايات المتحدة، هذه شراكة توفّر نفوذًا في أحد أهم أسواق الطاقة والتحولية في العالم الإسلامي.
أما في الجانب الدفاعي، فتُرجَّح أن تكون الذراع العسكرية حاضرة بقوة. الرياض تطمح إلى تكنولوجيا دفاعية متقدمة تماثل ما تتلقّاه إسرائيل من الولايات المتحدة. أعيد هذا السؤال في زيارة سابقة للوزراء في واشنطن، وكانت الكلمة السر: قدرات متقدمة للدفاع المتنوع، من القدرات الجوية إلى الفضاء السيبراني.
ثم هناك البعد السياسي–الإقليمي. السعودية في موقع قوي كمنسّق عربي يتطلّع لإعادة بناء الجبهة الموحدة تجاه ملفات مثل القضية الفلسطينية، إعادة إعمار غزة، والضغط لتحقيق مواقف معتدلة تجاه سوريا ولبنان. زيارتها الحالية ستكون بمثابة استعراض رسمي لقدرتها على القيام بهذا الدور، وسط حلفاء استراتيجيين مثل واشنطن.
أحد السيناريوهات الأمثل من هذه الزيارة: توقيع اتفاقيات استثمارية طويلة المدى، تعمق شراكة اقتصادية وعسكرية، وصياغة تحالف إقليمي جديد يدعم استقرار الشرق الأوسط. أما السيناريو السلبي، فهو اقتصار الزيارة على صفقات نفطية أو استثمارية معزولة، دون تكتل سياسي مشترك يواجه التحولات الكبرى في العالم.
في نهاية المطاف، هذه الزيارة هي اختبار حقيقي لطبيعة التحول السعودي بعد “رؤية 2030” واستحقاقات القوّة الحديثة، واختبار لمدى صدق واشنطن في التحوّل من علاقة نفطية تقليدية إلى تحالف استراتيجي متوازن. نجاحها لا يُقاس بعدد الصفقات، بل بدرجة الثقة التي يتم بناؤها، والاتفاقيات التي تصمد أمام تحديات المستقبل.
