أقلام مختارة

زهران ممداني ظاهرة ملهمة لكنها ليست فريدة

توفيق رباحي

رغم كل الضجة التي أحاطت بفوز المرشح زهران ممداني في انتخابات عمدة نيويورك في الرابع من الشهر الجاري، تبقى الحقيقة أنه انتصار سبقته انتصارات تشبهه. تختلف انتخابات نيويورك وفوز ممداني في قضية أساسية واحدة: السياق السياسي الأمريكي والدولي. هذا ما جعل الانتخابات صاخبة وصادمة تليق بالمدينة ومكانتها المالية والسياسية.
العنوان الأبرز للسياق السياسي الأمريكي هو وجود الرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض، في مقابل ترشح ممداني. وجود ترامب مرافق للفوضى والارتجال في إدارة الشأن العام، وترشح ممداني مرادف للحماس والإثارة السياسية والاجتماعية. وجد كلا الرجلين في الآخر من يلعب الدور المكمل لتنتهي الانتخابات بتلك الإثارة الاستثنائية، على أن تُستأنف اللعبة بعد تنصيب ممداني عمدة لمدينة ترامب. هناك أيضا سطوة المال وخطورة اللوبيات المؤثرة في حياة المدينة.
لا ينفصل السياق السياسي العالمي هو الآخر عن السياق الأمريكي، لأن استقرار العالم اقتصاديا وسياسيا واستراتيجيا معلق بالقرارات التي تتخذها تلك الشلة الضيقة المهيمنة في البيت الأبيض.
ولا يمكن استثناء الحرب الإسرائيلية على غزة من العوامل التي منحت الانتخابات وفوز ممداني طعما خاصا لأنها حضرت بقوة منذ اليوم الأول.
لذلك كان منتظرا أن يُحدث فوز ممداني، وقبل ذلك ترشحه، تلك الصدمة الهائلة في نيويورك مع ارتدادات في مدن وعواصم بعيدة عنها.
عدا عن ذلك، سبق لمدن وعواصم أخرى أن نهجت نهج نيويورك واختارت قادة يشبهون ممداني. لكن السياق الزماني والمكاني ظلمهم، فمُدنهم لا تملك مال نيويورك وسطوة أثريائها، ولا تنافسها أو حتى تشبهها. وبلدانهم لم يكن على رأسها شخص مثل ترامب. وتوقيت انتخابهم لا يشبه هو الآخر التوقيت والسياق الحاليَين في الولايات المتحدة والعالم. كما أن انتخابهم جرى بطرق تقليدية لم يكن فيها لمنصات التواصل الاجتماعي دور حاسم كما في حال ممداني ونيويورك.
لا أعرف كم منكم يذكرون أن باريس لم تنتخب عمدة غير اشتراكي منذ ربع قرن، تحديدا منذ 2001! علما أن الراحل جاك شيراك كان قبل ذلك قد تبوأ عرشها مدة 18 سنة كاملة. لوس أنجليس الأمريكية لم تنتخب عمدة جمهوريا منذ 2000. لندن هي الأخرى تكره المحافظين فاختارت خلال الـ25 سنة الأخيرة عمدة يساريا اتُهم بأنه شيوعي (كين ليفنغستون، كانت الصحافة الصفراء تسميه كين الأحمر.

كان يركب المترو وهو ثرثار لا يمل من الكلام مع الركاب) وآخر عمالي ابن مهاجر سائق حافلة نقل عام (صادق خان). وبينهما فتحت قوسا لتصوّت لبوريس جونسون، لكنه كان تصويتا لبوهيميته وعفويته أكثر منه لانتمائه  الحزبي المحافظ. في لندن أيضا، سيطر البرلمانيون المحافظون دائما على الدوائر الانتخابية، ثم تغيّرت القاعدة وفلتت منهم مقاعد المدينة وضواحيها مع عودة العمال إلى الحكم منتصف تسعينيات القرن الماضي فأصبح أغلب برلمانيي لندن الكبرى من العمال. ولم يستعد المحافظون قبضتهم على مقاعد المدينة إلى اليوم. ميلان عاصمة المال وقلب إيطاليا النابض بالموضة والإبداع يقودها حاليا عمدة مستقل سياسيا لكنه محسوب من وسط اليسار. تورينو، عاصمة نادي يوفنتوس لكرة القدم ومسقط رأس شركة فيات للسيارات، يقودها يساري وسطي أيضا. وكذلك ليبزيغ الواقعة جنوب غرب برلين وهي سابع أكبر مدينة في ألمانيا.
عاجلا أم آجلا ستهدأ الفورة التي أحدثها فوز ممداني، وسيكون عليه أن يواجه هموم سكان المدينة التي حملته على الأكتاف. بغض النظر عن هل سيفي بوعوده للناخبين، وهل سيكون في مستوى تطلعاتهم وإلى أيّ مدى سيتغلب على الواقع الصعب ليخدمهم كما وعدهم، سيبقى أن انتخابه كرّس ظاهرة تفوّق الليبراليين في انتخابات قيادة المدن الكبرى في المجتمعات الغربية، بينما تبقى الأرياف محافظة تهيمن فيها أصوات كبار السن والمحافظين الخائفين على مكاسبهم الصغيرة ونمط حياتهم.
العالم إذاً أمام ظاهرة جديدة، ليست انتخابات نيويورك، وقبلها لندن وعواصم أخرى، سوى أحد أشواطها وتجلياتها. عنوان هذه الظاهرة تمرد الشعوب وثورتها على واقع سياسي واقتصادي واجتماعي أصبح لا يطاق. وهي ثورة محمودة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو لماذا يميل الناس، خصوصا في الحواضر الكبرى، إلى تفضيل قادة ومسيّرين ليبراليين، وفي الوقت نفسه ينتشر اليمين الشعبوي المحافظ بسرعة ملحوظة؟ أين السر في مدن وعواصم تصوّت لممداني وأمثاله، ثم تصوّت لدونالد ترامب ومارين لوبان وأمثالهما؟
أحد تفسيرات هذا «التناقض» أن الشعوب تصوّت بأمانة وحرص في الانتخابات البلدية لأنها تؤثر في تفاصيل حياتها اليومية.. الصحة، التعليم، النقل، الجريمة، المعونات الاجتماعية.. إلخ. أما الانتخابات النيابية أو الرئاسية فتبدو شأنا بعيدا في نظر الإنسان الغربي الذي يعتقد أن السياسيين أشطر منه وأقدر على فهم القضايا الكبرى ومعالجتها.
وأحد التفسيرات كذلك أن الانتخابات المحلية تشهد مشاركة شعبية قوية بسبب ارتباطها بحياة الناس، بينما يغلب نوع من فقدان الثقة في السياسيين ينعكس إهمالا وغيابا في الانتخابات الوطنية فيصوّت الذين لديهم آراء سياسية، على قلتهم، ويحسمون نتائج الاقتراع.
هناك أيضا خصوصيات المدن الكبرى وتناقضاتها، الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية، التي تجعلها معروفة بتقلباتها ومفاجآتها الانتخابية.
رغم كل ما سبق سيبقى ممداني والشهور القليلة الماضية في مساره الإنساني والسياسي ظاهرة ملهمة ومشجعة للشباب داخل الولايات المتحدة وعبر العالم. وستبقى ظاهرة تفرض نفسها في كتب التاريخ وجديرة بأن تُدرَّس في المدارس والجامعات.

كاتب صحافي جزائري

عن صحيفة القدس العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى