أقلام يورابيا

خطوات متأخرة وغير مكتملة.. الاعتراف بدولة فلسطين دون القدس الشرقية لا يكفي

أحمد المصري

في ظل التحولات السياسية المتسارعة على الساحة الدولية، كشفت التطورات الأخيرة عن تحولٍ مهم في مواقف بعض الدول الغربية تجاه القضية الفلسطينية، كان أبرزها إعلان بريطانيا، كندا واستراليا الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين وستتبعها دول اخرى فرنسا، اسبانيا مالطا بلجيكا ولوكسمبرغ ودول اخرى.

ورغم أهمية هذه الخطوة وما تحمله من دلالات سياسية وقانونية واضحة، فإنها تبقى، وفق مراقبين، خطوة متأخرة كثيراً وغير كافية ما لم تُرفق بضغط غربي حقيقي على إسرائيل لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، وخصوصاً تلك المتعلقة بإنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان واحترام حدود 1967، بما فيها القدس الشرقية، عاصمة الدولة الفلسطينية.

القرار البريطاني الكندي الاسترالي جاء في سياق تصاعد الاستياء الدولي من السياسات الإسرائيلية، وعلى رأسها التوسع الاستيطاني غير القانوني في الضفة الغربية، لا سيما في المناطق الاستراتيجية مثل مشروع “E1″، الذي يهدد بتقسيم الضفة فعلياً إلى كيانين منفصلين، ويقضي عملياً على إمكانية قيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً.

ويُعتبر هذا المشروع مثالاً صارخاً على محاولات إعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية والجغرافية لفلسطين، في انتهاك صريح للقانون الدولي ولقرارات مجلس الأمن، ما يدفع المجتمع الدولي نحو مراجعة مواقفه التقليدية المترددة تجاه إسرائيل.

من جهة أخرى، شكّلت الحرب على غزة منذ أكتوبر 2023 نقطة تحوّل محورية في نظرة العديد من العواصم الغربية إلى طبيعة الصراع. فقد كشفت التقارير الحقوقية والإنسانية حجم الكارثة التي لحقت بالمدنيين الفلسطينيين نتيجة الحصار والقصف المتواصل، وهو ما أجبر حكومات تقليدية الحلف مع إسرائيل، مثل بريطانيا، على اتخاذ مواقف أكثر اتزاناً.

لكن رغم أهمية هذا التحول الرمزي، فإنه يفتقد إلى أدوات التأثير الفعلي على الأرض، ما لم تتبعه إجراءات عملية، مثل فرض عقوبات على الاستيطان، تقييد صادرات الأسلحة، أو الاعتراف الكامل بالحقوق الفلسطينية بما يشمل القدس الشرقية.

وفي سياق البحث عن تسوية سياسية عادلة، تُطرح قضية الاعتراف بالتعددية الفلسطينية، وعلى رأسها دور حركة حماس، كعنصر لا يمكن تجاهله. ورغم التصنيفات السياسية المختلفة لهذا الفصيل، فإن حماس نالت شرعية ديمقراطية عبر صناديق الاقتراع عام 2006، ويُعد إقصاؤها من المشهد السياسي الفلسطيني تدخلاً في الشأن الداخلي ويُضعف فرص التوصل إلى موقف تفاوضي فلسطيني موحد.

التعامل الدولي مع الفصائل الفلسطينية يجب أن ينطلق من فهم الواقع السياسي المعقد، لا من معايير الإقصاء والاصطفاف، لأن تجاهل حماس يعزز الانقسام، ويضعف الجبهة الداخلية الفلسطينية في مواجهة الاحتلال.

حتى الآن، لم تُحدّد الدول التي أعلنت الاعتراف بدولة فلسطين ولا التي ستعترف موقفاً واضحاً من قضية القدس الشرقية، عاصمة الدولة الفلسطينية وفق قرارات الأمم المتحدة، لكن تم التأكيد على ان حماس ليست جزء من هذه الدولة مما يثير تساؤلات جوهرية حول مدى جدية هذه الاعترافات.

ويخشى مراقبون أن يُختزل الاعتراف إلى مجرد موقف رمزي لا يُغيّر في ميزان القوة شيئاً، ما لم يترافق مع اعتراف صريح بالقدس الشرقية كعاصمة، والتزام غربي بتفعيل المساءلة الدولية ضد إسرائيل.

الاعتراف المتزايد بفلسطين من قبل أكثر من 145 دولة يشكل، من حيث المبدأ، دعمًا قانونيًا لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ويعزز من مكانة فلسطين في المنظمات الدولية. إلا أن غياب الإرادة السياسية لتحويل هذا الاعتراف إلى أدوات ضغط فعالة، يُفقده الكثير من تأثيره على سلوك الاحتلال الإسرائيلي.

ما لم تُتخذ إجراءات تنفيذية مباشرة، مثل رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي، دعم الانضمام للمحاكم الدولية، أو فرض تدابير قانونية ضد انتهاكات إسرائيل، فإن الاعتراف سيظل رمزياً أكثر منه سياسياً فعّالاً.

إن الاعتراف بدولة فلسطين، رغم أهميته، لن يكون فاعلاً ما لم يُحدَّد بوضوح أن القدس الشرقية هي عاصمتها، وما لم يُرفق بسياسات غربية تُحمّل إسرائيل مسؤولية إفشال حل الدولتين ومحاسبتها على الابادة الجماعية في غزة.

كما أن تأخر هذه الخطوة لسنوات طوال، في مقابل استمرار الاحتلال والاستيطان والعدوان، يُلقي بظلال من الشك على مصداقية الإرادة السياسية الغربية في دعم حل عادل وشامل.

في النهاية، لا يُبنى السلام على النوايا الرمزية، بل على احترام القانون الدولي، وحق الشعوب في الحرية والسيادة. والطريق نحو حل دائم للصراع لا يمر عبر تجاهل الفاعلين الفلسطينيين، أو غضّ الطرف عن جرائم الاحتلال، بل عبر معالجة الأسباب الجذرية للظلم التاريخي الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني منذ أكثر من سبعة عقود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى