تحقيقات

“جيل زِدْ” بالمغرب.. مكون شبابي يطمح للتغيير

الرباط ـ وكالات ـ منذ انطلاق مظاهرات حركة “زد 212” الشبابية المغربية في 27 سبتمبر/أيلول الماضي، تسلّطت الأضواء على “جيل زد” في البلاد، باعتباره جيلا جديدا يرفع شعارات الإصلاح في مواجهة البطالة وتحديات التعليم والصحة.

وتطالب الحركة التي يقودها شباب من مواليد أواخر التسعينات وبداية الألفية الثالثة، بإصلاح منظومتي التعليم والصحة ومحاربة الفساد، وإقالة الحكومة التي سرعان ما أبدت استعدادها للحوار وتسريع تنفيذ البرامج الاجتماعية الإصلاحية، لا سيما في قطاعي الصحة والتعليم.

وتنظم الحركة مظاهرات في مدن عدة، قبل أن تعلّقها ثلاثة أيام (الثلاثاء والأربعاء والجمعة الماضية)، تزامنا مع الخطاب الذي ألقاه الملك محمد السادس، الجمعة، ودعا فيه الحكومة إلى تسريع تنفيذ برامج التنمية بهدف توفير فرص عمل للشباب، والنهوض بقطاعي التعليم والصحة، محذرا من أي تهاون في كفاءة الاستثمار العمومي.

جيل رقمي في قلب الاحتجاج

يشكل شباب “جيل زد” أكثر من ربع سكان المغرب، وفق المندوبية السامية للتخطيط (رسمية) التي قدّرت نسبتهم في تقرير صادر عام 2024، بـ26.3 بالمئة من إجمالي السكان، أي ما يعادل 9.65 ملايين شاب وشابة، يشكل الذكور نسبة 50.9 بالمئة منهم.

وُلد هذا الجيل بين عامي 1997 و2012، مع التحول التكنولوجي السريع، وتزامن ميلاده مع الانفتاح السياسي ومبادرة الإنصاف والمصالحة (برنامج حكومي لإنصاف ضحايا سنوات الرصاص إبان عهد الملك الحسن الثاني) مطلع الألفية، ما جعلهم أكثر انفتاحا على مفاهيم حقوق الإنسان، وأشد ارتباطا بالعالم الرقمي.

وتأسست في المغرب عام 2004، هيئة الإنصاف والمصالحة (حكومية)، لبحث ملفات الاعتقال السياسي منذ استقلال البلاد (عام 1956) وحتى سنة 1999.

أرقام مقلقة عن الإقصاء والبطالة

في دراسة أصدرها المجلس الاقتصادي والاجتماعي (رسمي) عام 2024، قدّر عدد الشباب المغاربة الذين تراوح أعمارهم بين 15 و34 سنة، ويقعون خارج التعليم والعمل والتكوين، بنحو 4.3 ملايين شخص، محذرا من “تداعيات خطيرة على تماسك المجتمع والسلم الاجتماعي”.

وأشار المجلس إلى أن استمرار إقصاء هذه الفئة يُعمّق مظاهر الفقر والهشاشة ويغذي الشعور بالإحباط والرغبة في الهجرة.

وبحسب المندوبية السامية للتخطيط، بلغ معدل البطالة خلال الربع الثاني من العام 2025 نحو 12.8 بالمئة، منخفضا قليلا عن العام السابق، غير أن بطالة الشباب (15 – 24 عاما) لا تزال مرتفعة عند 35.8 بالمئة.

ورغم خلق 132 ألف فرصة عمل جديدة بين أبريل/نيسان ويونيو/حزيران 2025، فقد قطاع الزراعة وحده أكثر من 108 آلاف فرصة بسبب الجفاف المستمر للسنة السابعة على التوالي.

ويعدّ قطاع الزراعي أحد أبرز مكوّنات الناتج المحلي ومصدر دخل لحوالي 40 بالمئة من الأيدي العاملة.?

الحكومة: التقطنا الرسالة

وفي أول رد على الحركة الشبابية، قال متحدث الحكومة، مصطفى بايتاس، إن “الحكومة التقطت الرسالة وتعمل بسرعة لتوفير الإمكانات”، معلنا استعدادها لفتح حوار مع الشباب “من أجل العمل المشترك”.

وأوضح بايتاس الخميس الماضي أن “الحوار يحتاج إلى طرفين، وإلى أن يتوفر هذا الطرف، فالحكومة تواصل تسريع البرامج الاجتماعية، خصوصا في التعليم والصحة”.

من جانبه، أكد وزير الإدماج الاقتصادي والتشغيل، يونس السكوري، أن “البطالة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات ما تزال مرتفعة”.

ودعا في برنامج حواري إلى “حوار صريح يأخذ أولويات الجيل الجديد بعين الاعتبار”، مع التحذير من “محاولات الركوب السياسي أو الانتخابي على هذه الموجة”.

 رؤية مؤسساتية: دعم دون وصاية

بدوره، قال وسيط المملكة (ديوان المظالم سابقا)، حسن طارق، إن الحديث عن “كلمة جيل تحتاج إلى تفكيك سوسيولوجي (علم الاجتماع) عميق”، محذرا من “تقديس الشباب أو اختزالهم في كليشيهات مبسطة”.

وأضاف، في حوار تلفزيوني، أن “الشباب اليوم يعيشون توترا بين وعيهم بحقوقهم وصعوبة الوصول إليها فعليا”، معتبرا أن حركتهم الاجتماعية تعكس هذا التناقض بين الطموح والإمكان.

وشدد طارق على ضرورة مرافقة الشباب ومنحهم الدعم دون وصاية، معتبرا أن هذه الفئة “ليست مقدسة وقد تكون مخطئة”.

وأشار طارق إلى أن المغرب عرف خلال العقود الثلاثة الماضية ثلاث موجات احتجاجية كبرى، ويتعلق الأمر بالتمردات لسنوات 1981 و1984 و1990، ثم الاحتجاجات الفئوية في نهاية التسعينات، مرورا بحركة 20 فبراير سنة 2011 التي نادت بمطالب سياسية واضحة.

واستدرك بالقول إن الحركات الحالية يصعب وضعها ضمن هذه التصنيفات التقليدية، نظرا لعدم التناسب بين سقف مطالبها المنخفض وشدة التعبير عنها.

 نحو مقاربة جديدة لـ”جيل زد”

المجلس الاقتصادي والاجتماعي دعا إلى اعتماد إجراءات وقائية وهيكلية للحد من الإقصاء، بينها فرض إلزامية التعليم حتى سن 16 عاما، وتوسيع التكوين (التدريب) المهني بالمناطق القروية، وتطوير شبكات الاستماع والتوجيه، وتعميم المدارس الجماعاتية في القرى.

كما أوصى بتعزيز دور الأسر والجماعات المحلية في تأهيل وإعادة إدماج الشباب، وتحسين جودة الخدمات الموجهة لهم، بما يضمن مشاركتهم الفاعلة في التنمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى