جنوب السودان يغلي تحت سطح العنف.. والصراع يتجاوز الانتماءات العرقية وأوغندا والإمارات ابرز المستفيدين
من تاج السر حسن
بورتسودان ـ يورابيا ـ من تاج السر حسن ـ في تحليل شامل للوضع السياسي والاجتماعي المتدهور في جنوب السودان، وصف المعهد الإيطالي للشؤون الدولية النزاع المتجدد في البلاد بأنه نتيجة حتمية لتعقيدات عميقة تتجاوز مجرد الانتماءات العرقية. وأكد المعهد في تقرير جديد صدر مؤخرًا، أن الاشتباكات المتكررة بين القوات الحكومية والجماعات المتمردة تمثل “غيضاً من فيض” ضمن مشهد أكثر تعقيداً من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تتشابك في بنية الدولة.
العنف عرَضي.. والأسباب بنيوية
وقال المعهد في تقريره إن مرحلة “المصالحة الظاهرية” التي أعقبت توقيع اتفاق السلام في عام 2018 لم تكن كافية لتهدئة التوترات، موضحاً أن جنوب السودان يجد نفسه اليوم أمام دوامة متجددة من العنف، مدفوعة بأسباب بنيوية تتعلق بالسلطة والموارد، لا بمجرد الصراع العرقي كما يبدو للوهلة الأولى.
وأشار التقرير إلى أن العِرق، رغم أهميته، ليس المحرك الأساسي للعنف المستمر، بل أن السيطرة على الأراضي، وتوزيع الموارد الطبيعية، والتأثير السياسي للمساعدات الخارجية، تشكل العناصر الجوهرية في هذا المشهد. وأضاف أن هذه الظواهر لا تقتصر على جنوب السودان، بل تمتد إلى مناطق أخرى في القارة، خاصة في القرن الأفريقي.
إرث الاستعمار والسياسات التدميرية
أوضح المعهد في تقريره أن جذور الأزمة الحالية تمتد إلى مرحلة ما بعد الاستقلال عن الحكم الاستعماري، حيث تعمّق الانقسام بين شمال السودان ذي الغالبية المسلمة، وجنوبه ذو الأغلبية المسيحية. واعتبر أن سياسة “فرّق تسد” التي انتهجتها حكومة الخرطوم السابقة ساهمت في إشعال الحروب الأهلية المتتالية التي أدت في النهاية إلى انفصال جنوب السودان عام 2011.
ورغم الاستقلال، لم يتحقق الاستقرار، بل تحول الخلاف السياسي بين الرئيس سلفا كير ونائبه رياك مشار إلى صراع دموي منذ 2013، لم تفلح الاتفاقات اللاحقة في إخماده. ولا تزال البلاد تنتظر أول انتخابات ديمقراطية، مع تأجيلات متكررة آخرها إلى ديسمبر 2026، في ظل شكوك حول إمكانية الالتزام بهذا الموعد.
التركيبة العرقية وتسييس الخلافات
لفت التقرير إلى أن جنوب السودان يتمتع بتنوع إثني كبير، لكن العلاقات المتوترة بين مجموعتي الدينكا والنوير – اللتين تشكلان حوالي نصف السكان – استُغلت من قبل النخب السياسية لخلق أجواء من الانقسام وعدم الاستقرار. وأكد المعهد أن الطبقة الحاكمة ضخّمت هذه الخلافات لخدمة مصالحها الضيقة، مما أسهم في تفشي الانتهاكات المنهجية لحقوق الإنسان واستمرار الفقر المدقع بين السكان.
جغرافيا محفوفة بالمخاطر
وأشار التقرير إلى أن موقع جنوب السودان الجغرافي يزيد من تعقيد الأزمة، إذ أنه نقطة تقاطع للهجرة والنزوح والاتجار بالموارد. وأكد المعهد أن الدولة تحتضن اليوم ما يقارب 2.2 مليون نازح داخلي، إلى جانب تدفقات لجوء ضخمة من الدول المجاورة، في ظل انعدام الاستقرار على الحدود، لا سيما مع السودان الغارق في حرب أهلية.
وقال المعهد إن منطقة أبيي المتنازع عليها، إلى جانب مناطق مثل كافيا كنجي ومثلث إيليمي، تشكل بؤرًا ساخنة تُعيق بسط سيادة الدولة، خاصة في ظل التنافس الإقليمي على الموارد الطبيعية مثل النفط والذهب، وتأثيرات التغير المناخي التي تدفع السكان للهجرة القسرية.
موارد منهوبة وأطماع إقليمية
وأبرز التقرير أن الموارد الطبيعية، وعلى رأسها النفط والذهب، تُستغل من قبل شبكات إجرامية وميليشيات محلية في ظل غياب الدولة.
وأوضح المعهد أن دولاً مثل أوغندا والإمارات تُعد من أبرز المستفيدين من هذه التجارة غير المشروعة، بينما تلعب أبوظبي دوراً مقلقاً في زعزعة الاستقرار الإقليمي لتكريس نفوذها الاقتصادي والجيوسياسي.
وأورد التقرير أن محاولات فرض حظر سلاح عبر مجلس الأمن لم تحقق نتائج ملموسة، حيث تستمر عمليات التهريب عبر قنوات بديلة، بعضها يشير إلى تورط جهات فاعلة في الصين.
الصمت الدولي… والدور الغائب للقوى الكبرى
وأكد المعهد أن القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين تفضل البقاء في الخلفية، حيث تتجنب الانخراط المباشر في التعقيدات الإقليمية، لكنها تؤثر بشكل غير مباشر من خلال سياسات الدعم الإنساني والاستثمارات في البنى التحتية.
وأضاف المعهد أن قرار واشنطن الأخير بتقليص المساعدات الإنسانية، رغم الجدل حول فعاليتها، قد يؤثر بشكل جوهري على التوازن المحلي ويزيد من هشاشة الأوضاع. في المقابل، تحافظ بكين على وجودها من خلال علاقتها الوثيقة بصناعة النفط ومشاريع البناء الكبرى.
مستقبل غير واضح.. وسيناريوهات مقلقة
واختتم المعهد الإيطالي للشؤون الدولية تقريره بالتحذير من أن مستقبل جنوب السودان يظل مفتوحاً على كل الاحتمالات، في ظل هشاشة الاتفاقيات وغياب المؤسسات الفاعلة، مشيراً إلى أن السيناريو الأسوأ يتمثل في انزلاق البلاد إلى حرب أهلية جديدة قد تكون أشد فتكاً من سابقاتها.
وقال المعهد إن أي حادث سياسي – مثل إقالة رياك مشار أو انهيار الحوار السياسي – قد يتحول إلى شرارة جديدة لنزاع واسع النطاق. وأضاف أن التشابك الكبير بين أزمات السودان وجنوب السودان قد يجعل من الصعب الفصل بين مصير الدولتين، خاصة إذا استمرت الخرطوم في استخدام التوترات كأداة ضغط جيوسياسي على جوبا.
واختتم التقرير بالتأكيد على أن الوقت ينفد، وأن المجتمع الدولي مطالب بتحرك جاد ومستدام إذا أراد تجنب كارثة إنسانية على نطاق دارفور – أو أسوأ.
