أقلام يورابيا

جبن نتنياهو يكشف إسرائيل العاجزة بين أسطورة الردع ووهم القوة

يوسف عبداللطيف

الأمم لا تُعرى من الداخل إلا حين ينكشف قادتها في لحظة الحقيقة. هذا ما يحدث اليوم داخل الكيان الإسرائيلي؛ حيث سقط القناع عن وجه نتنياهو، بعد أن فضحه أحد كبار مسؤولي استخباراته ليكشف أن الرجل تردد، خاف، وانكسر أمام قرار كان يمكن أن يغيّر موازين الصراع. هذه ليست شهادة عابرة، بل وثيقة إدانة تُضاف إلى سجل طويل من الجبن السياسي والعسكري الذي ميّز تاريخ قادة إسرائيل منذ قيامها.

نتنياهو ليس حالة استثنائية، بل امتداد لسلسلة من الفشل المستمر. فها هي غولدا مائير في 1973، التي قادها الغرور إلى تجاهل كل التحذيرات قبيل حرب أكتوبر، لتُفاجأ بعبور الجيش المصري وقواته وهي تجرف أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر” في ساعات. وما زالت صورة موشيه ديان وزير الحرب آنذاك، بجبينه المنكّس ونظارته السوداء، شاهدة على انهيار نفسية قادة إسرائيل حين يواجهون الحقيقة المرة.

واليوم يعيد نتنياهو إنتاج ذات المشهد. فالتردد الذي وصفه به رئيس الاستخبارات السابق ليس جديدًا؛ إنه ذات التردد الذي أصاب إيهود أولمرت في عدوان 2006 على لبنان، حين انتهى العدوان بلا نصر، بل بوصمة هزيمة سياسية وعسكرية جعلت إسرائيل تعترف لأول مرة بأنها فشلت في إخضاع خصمها. الفرق أن نتنياهو لا يكتفي بالفشل، بل يصر على تكراره حتى صار رمزًا لسياسي لا يملك قرارًا ولا يمتلك جرأة المواجهة.

حين يتحدث مسؤول استخباري عن خطط لإقصاء خصوم بارزين قبل السابع من أكتوبر، ثم يضيف أن نتنياهو تهرب، فإننا لا نسمع مجرد رواية داخلية، بل نقرأ شهادة على جبن متجذر. من كان يملأ الدنيا ضجيجًا بخطابات القوة والعنتريات الكاذبة، وقف عاجزًا أمام اختبار حقيقي، تمامًا كما وقف أسلافه من قبل أمام الجيوش العربية في سيناء والجولان، أو أمام صمود المقاومة في جنوب لبنان وغزة.

الكيان الذي بنى أسطورته على صورة “القوة التي تردع الجميع” ينهار اليوم من الداخل، لأن قادته مجرد طغمة من الجبناء، كل واحد منهم يسلم الفشل لمن بعده. إسرائيل لم تنتصر يومًا بانتصار مطلق، لكنها عاشت على صناعة الوهم وتضخيم صورة جيشها. أما الواقع، فكان دومًا يكشف عند ساعة المواجهة أن هذه الدولة لا تقودها شجاعة الرجال بل حسابات السياسيين المرتعشين.

التاريخ سيذكر أن نتنياهو لم يكن سوى حلقة جديدة في سلسلة من العجز؛ من مائير التي بكت في مذكراتها بعد حرب أكتوبر، إلى ديان الذي اعترف بمرارة أن “العرب عبروا”، إلى أولمرت الذي جر إسرائيل إلى مأزق 2006، وصولًا إلى نتنياهو الذي لم يعرف كيف يتخذ القرار، ولم يجرؤ على مواجهة مصيره. إنها سلسلة واحدة: جبن متوارث وفشل يتناسل.

ومن هنا، يتضح أن المشروع الإسرائيلي كله لم يكن يومًا مشروع قوة، بل مشروع وهم. وما يكشفه تسريب اليوم ليس فقط سقوط نتنياهو، بل انهيار الصورة التي طالما رُسمت لإسرائيل كقوة لا تُهزم. فالحقيقة أنهم يُهزمون دائمًا، يترددون دائمًا، ويتوارثون جبنًا صار علامة مسجلة باسمهم.

هذا الكيان الذي يعيش على أوهام الردع بات اليوم مكشوفًا، بلا درع ولا وهم، يقف أمام تاريخه المليء بالخيبات. والأيام القادمة لن تُكتب بأقلام دعايته الكاذبة، بل ستُسجل بمداد الحقيقة: أن إسرائيل لم تكن يومًا دولة قادة، بل كانت دومًا وكرًا للجبناء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى