
بعد توديع الوفود التي شاركت في القمة الاستثنائية التي عقدت في القاهرة لمناقشة الاقتتال بين الجيش الأردني وقوات منظمات التحرير الفلسطينية كان يفترض لجمال عبد الناصر أن يستريح قليلًا، ولكن هذه الاستراحة استمرت إلى الأبد، توفي عبد الناصر!
في الجنازة المهيبة رصدت الدموع على وجنتي الملك الحسين وياسر عرفات، بعض المتشككين من اليسار العربي الذين كانوا وجهوا النقد والتجريح لعبد الناصر بعد قبوله لمبادرة روجرز قرروا التفتيش في ضمائر الرجلين، ليخلصا بأنهما يستغلان اللحظة العاطفية بدموع التماسيح.
لم يكن عرفات يمتلك رصيدًا طويلًا مع عبد الناصر، أما الملك الحسين فربطته مع الرجل علاقة معقدة ومتعددة الفصول، فأزمة الأردن وحلف بغداد كانت الاستثمار الفعلي للضربة الكبيرة التي تلقتها بريطانيا وفرنسا في العدوان الثلاثي على مصر، وتمكن عبد الناصر من استمالة الأردن في لحظة معقدة من التاريخ، ولكنه بقي قلقًا من حسابات الملك الحسين الواقعية.
ما الفرق بين الرجلين؟ الحسين وناصر، ماذا يربطهما وماذا يفرقهما؟
مع أن عبد الناصر يكبر الحسين بسبعة عشر سنة، إلا أن خبرة الحسين في الحياة كانت تتجاوز عبد الناصر كثيرًا لسببين رئيسيين، فالحسين يحمل على أكتافه تراثًا طويلًا من الحكم والصراع على الحكم، وفي طفولته كان يطل من شباك لا يمكن إغلاقه أو مواربته على معارك معقدة وأرض واسعة من الطموحات المجهضة، أما عبد الناصر فكان كل ما بحوزته هو إقامة غير طويلة في الطبقة الوسطى المصرية معبأة بالشؤون الخاصة والهموم المعيشية، والسبب الثاني، هو ترحال الحسين في طفولته ومراهقته، ومعرفته بالعمق الحقيقي للمجتمعات الاستعمارية، بل وفي فترة حرجة، فهو كان طالبًا في كلية هارو أثناء فترة التقنين الغذائي التي أتبعت الحرب العالمية الثانية، ويعرف طبيعة الإدارة البريطانية والتراكم الذي تحقق بعد قرون من الزمن، في المقابل لم يكن عبد الناصر يعرف مع الحركة المباركة التي تحولت إلى ثورة سوى بعض الدبابات ورجالٌ صغارٌ يحملون البنادق ليحكموا القاهرة ومناخها السياسي كله.
هل كان الحسين يؤمن بالقومية العربية؟
بالقطع كان مؤمنًا بالقومية في نسخةٍ خاصةٍ اقتربت من الوجود مع تجربة المملكة الفيصلية في سوريا، ولكنه كان يعرف أن الوحدة العربية القائمة على تصورات رومانسية كالتي يطرحها عبد الناصر لا يمكن أن تقارب التحديات الماثلة على الساحة الدولية، فالقوميون العرب كانوا يتحدثون عن الموارد الكبيرة للمنطقة، وكأنهم يحاولون تقديم نموذجًا يشابه الصين أو الهند المستباحتين استعماريًا بثروات تتجاوز ما يحوزه العرب مجتمعين، وأن القضية ليست في الثروة ولكن في الإنسان وطاقاته وتقلباته.
حكمت مصر لقرون طويلة من المماليك، بدو السهوب الآسيوية المنبتين عن أبسط شعور بالانتماء، حتى للعائلة، فهم من المجلوبين أفرادًا من غير ذاكرة تقريبًا، لا يعرفون الدفء والحياة والموت بالنسبة لهم مجرد حادثة، وبقيت عقلية المماليك قائمةً داخل المؤسسات المصرية، وعلى الرغم من شجاعته الشخصية لم يتمكن من مواجهة ذلك الفكر، ولكنه حاول أن يخترع شخصيةً مثاليةً تكون داخل الصورة، وبذلك أقصى الكثيرين خارجها، كان يتخيل أن الذين يقصيهم أقلية، ولكنه لم يعرف أنه يمارسه طغيانه على التنوع الذي يمكن البناء عليه للوصول إلى التراكم، أما الحسين، فكان يحكم مجتمعًا عشائريًا يبحث عن تحقيق ذاته بعد العيش لقرون مستبعدًا من حسابات العثمانيين ليترك تحت أمزجة الممثلين المحليين للسلطة، وكان الفرق الذي أحدثه أن أحدًا لن يضطر أن يذهب إلى دمشق أو نابلس ليتحدث عن قرية منسية في الطفيلة أو الكرك.
رياح عبد الناصر العاتية أطاحت بالملكية في العراق وليبيا واليمن، ولكنها لم تتمكن من الأمر نفسه في الأردن، مع أن رئيس الوزراء المنتخب سليمان النابلسي كان من المتحمسين لإلحاق الأردن بمصر أو بلد عربي آخر، وبجانب التناقضات التي أدركها الحسين وتمكن من تجييرها لمصلحته، كانت علاقته بالأردنيين التي شهدت فصلًا واحدًا منها في صيف 1996 وهو يقود سيارته المرسيدس ويتفلت من الحراسة التي تحاول أن تقاربه.
لم يكن عبد الناصر في المقابل شخصًا مغرورًا أو منتفخًا بذاته، على العكس من ذلك، في داخله كان يحب أن يقدم لنفسه نموذج الموظف المسؤول، رب الأسرة الكبيرة التي هي جميع المصريين، وألحق بهم العرب بوصفه الأخ الأكبر، ولكن هذه مواصفات تليق بملحمة أو أسطورة، ولكن من الصعب أن تصبح نمطًا في الإدارة أو العمل من أجل خامة الحياة اليومية التي تعني خبزًا على الطاولة وسقفًا يأوي العائلة، وأطفال يخرجون سروةً إلى المدرسة في طرقات آمنة.
نعم تمكن عبد الناصر من توفير ذلك للمصريين وفتح أمامهم أبواب كثيرةً للفرص، ولكنه استنزف كل شيء في مغامرات غير مسؤولة، فكان يتخيل أن صراعه مع ايدن هو رجلٌ لرجل، بينما في الحقيقة أن الصراع مع بريطانيا كان يعني ملايين الموظفين الذين يديرون الإمبراطورية، وشبكة الطرقات والخدمات الصحية والمؤسسات والتقاليد التي تقوم على قرون من المشاركة الشعبية والديمقراطية.
في حرب حزيران كان عبد الناصر يعيد اكتشاف الحسين، فهو يوقع اتفاقية الدفاع المشترك قبل أيام من المعركة، لا يماطل ولا يتهرب، وفي مكالمة هاتفية في اليوم الثاني من الحرب يظهر الحسين أكثر استعدادًا لأن يكسر القواعد ليشجع عبد الناصر على اتهام بريطانيا والولايات المتحدة بالمشاركة مع إسرائيل، وفي السنوات التي أتبعت الهزيمة، وبعد التحية الأوسع للملك والأردن في خطاب التنحي، كان الرجلان يحاولان تأسيس مقاربة جديدة، ولذلك تحدث عبد الناصر للملك الحسين في الخرطوم وطالبه أن يتصرف بأي طريقة كانت ليستعيد الضفة الغربية، وأن يتركه من المزاودين الذين استمروا في محاولة القفز على الثورة الفلسطينية وتوليد التنظيمات الصغيرة التي تتحمل جانبًا كبيرًا من المسؤولية عن الأحداث التي تفجرت في أيلول 1970.
تعلم عبد الناصر الكثير من هزيمة حزيران 1967 ولكنهم في بغداد ودمشق وجدوه الجمل الذي أناخته الهزيمة وحاولوا اعتلاءه، بينما كان الحسين وفيصل، الرجعيون كما وصفهم عبد الناصر كثيرًا، يقفون معه في محاولة لعبور الهزيمة.
كانت القصة بين الرجلين من فصلين، ما قبل حزيران، الطيب (الحسين) والشجاع (عبد الناصر) وما بعدها تبادلا الأدوار والأوصاف، بينما أضاع أقارب الرئيس وأنسباؤه وأبناء خؤولته وعمومته كل شيء في سوريا والعراق.
في النهاية ربما لم يكن أحد ليصف الرجلان كما يستحقان سوى الجواهري، فقال في عبد الناصر:
لا يعصم المجد الرجال، وإنما … كان العظيم المجد والأخطاء
وفي الحسين:
لله درك من مهيبٍ وادعٍ… نسرُ يطارحه الحمام هديلا
ويبقى عرفات الذي تولاه درويش، ليختصر حياته الصاخبة والتراجيدية وهو يؤسس لشخصية فلسطينية كان العالم كله يعمل على تغييبها، فيقول:
عبثًا تحاول يا أبي ملكًا ومملكةً
عن صفحة الكاتب في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك