كواليس واسرار

تطورات عسكرية في بوصاصو الصومالية… تدخلات خفية لاسرئيل ودور اماراتي وانتهاك للسيادة الوطنية

لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ في إطار التوترات الجيوسياسية المتصاعدة على مستوى العالم، لم تعد العواصم السياسية وحدها تمثل ساحة الصراع على النفوذ؛ بل امتدت خطوط المواجهة إلى مناطق حساسة أخرى، ومنها الموانئ الحيوية في البحر الأحمر والمحيط الهندي، مما يزيد من تعقيد الصراعات الإقليمية والدولية. واحدة من هذه المناطق التي أصبحت محورًا للتوتر هي مدينة بوصاصو، الواقعة في منطقة بونتلاند شمال الصومال.

بوصاصو: نقطة عبور في الصراع الجيوسياسي الإقليمي

المدينة، التي كانت في السابق مركزًا تجاريًا نائيًا، أصبحت الآن نقطة عبور رئيسية في خضم النزاعات الإقليمية. تقارير عدة تشير إلى وجود تحركات عسكرية وتجهيزات أمنية في بوصاصو، تمت دون علم الحكومة الفيدرالية الصومالية. هذه التحركات تشمل تركيب أنظمة دفاعية متطورة، على رأسها نظام رادار إسرائيلي من طراز إي إل إم -2084، والذي تم تركيبه في محيط مطار بوصاصو، وهو ما أثار العديد من التساؤلات حول سيادة الصومال.

الصور التي تم التقاطها بواسطة الأقمار الصناعية أظهرت بوضوح تركيب النظام الراداري، مما يعزز الادعاءات القائلة بأن الإمارات قد لعبت دور الوسيط في توفير هذا النظام بموافقة غير رسمية من سلطات بونتلاند، دون التنسيق مع حكومة مقديشو المركزية، حسبما نشرت صحيفة “صباح” التركية في مقالا للكاتب “تونتش ديمير تاش”.

تحركات عسكرية مشبوهة: دعم لقوات الدعم السريع السودانية

لم تقتصر الأنشطة العسكرية في بوصاصو على تركيب الأنظمة الدفاعية فقط، بل امتدت لتشمل عمليات شحن عسكرية عبر رحلات جوية مشبوهة. سجلات الطيران تؤكد أن 48 رحلة شحن عسكري غادرت المدينة في العامين الماضيين، معظمها كانت متوجهة إلى السودان وتشاد. هذه الرحلات، التي كانت تحمل أسلحة وذخائر، بالإضافة إلى مرتزقة كولومبيين، تم استخدامها لدعم قوات الدعم السريع السودانية المتورطة في النزاع الدامي في دارفور، مما يثير مخاوف من تصعيد العنف وتورط بوصاصو في صراعات إقليمية أوسع.

قضايا السيادة والدستور الصومالي

ما يحدث في بوصاصو يثير تساؤلات جوهرية حول احترام سيادة الصومال، حيث إن السياسة الخارجية وشؤون الأمن من صلاحيات الحكومة الفيدرالية فقط وفقًا لدستور البلاد. أي تدخلات عسكرية أو اتفاقات تُعقد دون موافقة مقديشو تعد خرقًا صارخًا للقانون والدستور الصومالي. في هذا السياق، يبرز القلق من أن هذه الأنشطة العسكرية التي تتم في بوصاصو تؤثر على وحدة الأراضي الصومالية وتفكك مركزية السلطة.

تحركات تركيا: نموذج مختلف

بينما تشهد بوصاصو تحركات عسكرية مشبوهة من قبل قوى إقليمية ودولية، تتبنى تركيا نهجًا مختلفًا في تعاملها مع الصومال. تلتزم تركيا بسياسة قائمة على احترام سيادة الصومال وتعزيز استقراره عبر دعم مؤسسات الدولة. وفي هذا السياق، تقدم تركيا مساعدات تنموية وأمنية، مثل قاعدة “تُركصوم” التي تهدف إلى تدريب الجيش الوطني الصومالي، بالإضافة إلى مشاريع بنية تحتية تهدف إلى تطوير الموانئ والمرافق العامة.

الموقف التركي يختلف عن تحركات الإمارات وإسرائيل في بوصاصو، حيث تتبنى تركيا سياسة شفافة تقوم على التعاون مع الحكومة المركزية في مقديشو، ما يعكس التزامًا بتطوير العلاقات الثنائية بما يخدم مصالح الصومال الطويلة الأجل.

تساؤلات حول مصير الصومال

تطرح هذه التطورات أسئلة خطيرة حول مستقبل الصومال وتوجهاته في خضم النزاعات الإقليمية والعالمية. من جهة، فإن استمرارية تدخلات قوى إقليمية مثل الإمارات وإسرائيل دون التنسيق مع الحكومة الصومالية يهدد وحدة الأراضي الصومالية ويزيد من التوترات في المنطقة. ومن جهة أخرى، تظهر السياسة التركية في الصومال كنموذج إيجابي يحترم سيادة البلاد ويركز على التنمية المستدامة.

لكن السؤال الأهم يبقى: هل ستستطيع الحكومة الفيدرالية الصومالية استعادة السيطرة على أراضيها وحماية سيادتها في وجه هذه التدخلات الخارجية؟ إن الوضع في بوصاصو يسلط الضوء على تزايد المخاطر التي تواجه الصومال في وقت تتصاعد فيه المنافسة الدولية والإقليمية على نفوذ البحر الأحمر والمحيط الهندي.

الخاتمة

إن ما يجري في بوصاصو يعبّر عن التحديات الكبرى التي تواجه الصومال في الحفاظ على سيادتها وسط صراعات إقليمية ودولية تتداخل فيها المصالح الأمنية والاقتصادية. في الوقت الذي تسعى فيه بعض القوى الإقليمية لتحقيق مصالحها عبر التحايل على السلطة المركزية، يجب على الصومال أن يحافظ على استقرار حكومته المركزية وأن يعمل على تعزيز التعاون الدولي الذي يراعي مصلحة شعبه ويحترم سيادته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى