السلايدر الرئيسيشرق أوسط

ترامب يعود لاحتمال تغيير النظام في إيران.. والأمريكيون لا يعرفون مكان مخزون إيران من اليورانيوم

من سعيد جوهر

واشنطن ـ يورابيا ـ من سعيد جوهر ـ ينما ناشد زعماء العالم التهدئة وضبط النفس، فاجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الجميع مجددًا، بطرحه خيار تغيير النظام في إيران، في لحظة مشحونة بالتوتر، أقل من 24 ساعة على الضربات الأميركية المكثفة التي استهدفت منشآت نووية إيرانية في كل من فوردو، نطنز، وأصفهان. منشوره القصير على وسائل التواصل كان كافيًا ليعيد إلى الأذهان سنوات من التدخلات الأميركية الخارجية، ويثير المخاوف من انزلاق جديد نحو صراع مفتوح في الشرق الأوسط.

“إذا كان النظام الإيراني عاجزًا عن استعادة عظمته، فلماذا لا يُغيَّر؟”، كتب ترامب. كلمات معدودة، لكنها حبلى بالإشارات، وتأتي في توقيت بالغ الخطورة، خصوصًا أن كبار مسؤولي إدارته السابقين أمضوا اليوم ذاته وهم يؤكدون أن واشنطن لا تسعى إلى الحرب، بل إلى الضغط السياسي.

ضربات مدمّرة وأضرار ثقيلة

الهجمات التي شنّتها قاذفات “بي-2” الأميركية وصواريخ “توماهوك” البحرية، خلّفت، وفق البنتاغون، “أضرارًا جسيمة” في المنشآت المستهدفة، لا سيما في موقع فوردو المحصّن تحت الجبال. صور الأقمار الصناعية أظهرت ثقوبًا عميقة أحدثتها قنابل خارقة للتحصينات تزن كل واحدة منها 30 ألف رطل. ومع أن بعض التحليلات الإسرائيلية أشارت إلى أن الموقع لم يُدمّر كليًا، إلا أن المؤكد أن البرنامج النووي الإيراني تلقى ضربة قوية، على الأقل على مستوى البنية التحتية.

لكن تبقى المفاجأة: مسؤولون استخباراتيون أميركيون وإسرائيليون كشفوا أن إيران ربما كانت قد نقلت جزءًا كبيرًا من مخزونها من اليورانيوم المخصب قبيل الضربات. نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم بنسبة تخصيب 60%، وهي نسبة تقترب من عتبة الاستخدام العسكري، نُقلت على الأرجح إلى مواقع غير معروفة. الوكالة الدولية للطاقة الذرية أكدت أنها رصدت هذه المواد آخر مرة قبل أسبوع من الهجمات.

وصرح رافائيل ماريانو غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، في رسالة نصية أن فرق مفتشي الأمم المتحدة التابعة له شاهدت الوقود آخر مرة قبل حوالي أسبوع من بدء إسرائيل هجماتها على إيران. لكنه قال لشبكة ” سي ان ان” إن “إيران لم تُخفِ أنها تحمي هذه المواد”. وعندما سُئل في رسالة نصية في وقت لاحق عما إذا كان يقصد أن مخزون الوقود – الذي يتم تخزينه في براميل خاصة صغيرة بما يكفي لتناسب صناديق حوالي 10 سيارات – قد تم نقله، أجاب: “نعم، نعم”.

العالم على شفا دوامة جديدة

ردة الفعل الإيرانية لم تتأخر، رغم أنها بقيت حتى الآن ضمن حدود التصريحات الحذرة. وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي حذّر من أن بلاده “تحتفظ بجميع الخيارات للدفاع عن مصالحها وشعبها”، دون أن يحدّد طبيعة الرد المحتمل. في المقابل، بدأت الميليشيات المرتبطة بإيران في العراق وسوريا بالتحرك، وسط تحذيرات من أجهزة استخبارات أميركية من استعدادها لتنفيذ عمليات ضد قوات أميركية تتمركز في قواعد إقليمية، حيث يوجد أكثر من 40 ألف جندي أميركي.

الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أطلق نداءً عاجلاً في جلسة طارئة لمجلس الأمن، قائلاً إن العالم يواجه خطر “الانزلاق إلى دوامة من الانتقام المتتالي”، محذرًا من أن المنطقة لا تحتمل مزيدًا من الحروب.

هل نعود إلى سيناريوهات تغيير الأنظمة؟

تصريحات ترامب لم تمر مرور الكرام، بل أعادت إلى الأذهان تاريخًا طويلًا من السياسات الأميركية التي استخدمت “تغيير الأنظمة” كأداة جيوسياسية. من العراق إلى ليبيا، ومن أفغانستان إلى غواتيمالا وبنما، كانت التدخلات العسكرية والدبلوماسية أحد العناوين البارزة لنهج واشنطن في التعامل مع الأنظمة غير المتماشية مع سياساتها. وكان ترامب نفسه، قد روّج مرارًا لفكرة إسقاط النظام الإيراني، في إطار سياسة “الضغط الأقصى”.

لكن ما أثبتته تجارب المنطقة خلال العقدين الماضيين هو أن تغيير الأنظمة بالقوة لا يقود إلى الاستقرار، بل كثيرًا ما يخلّف فراغًا سياسيًا وأمنيًا مدمّرًا. العراق ما زال يعاني تبعات غزو 2003، وليبيا تحولت إلى دولة مفككة، واليمن غارق في أسوأ كارثة إنسانية في العصر الحديث. كل هذه التجارب تشير إلى نتيجة واحدة: لا يمكن بناء السلام على أنقاض الحروب ولا فرض الديمقراطية من فوهة بندقية.

واقعية متوترة وغموض ميداني

في الوقت الذي قال فيه الرئيس ترامب إن “البرنامج النووي الإيراني قد دُمر بالكامل”، حرص مسؤولون في البنتاغون على تقديم صورة أكثر تحفظًا. نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس أقرّ بأن “القدرة الإيرانية على تصنيع سلاح نووي قد تراجعت”، لكنه أضاف أن “كميات كبيرة من الوقود النووي ما زالت موجودة، وسنناقش هذا الملف مع الإيرانيين في المستقبل”.

أما وزير الدفاع بيت هيجسيث ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجديد دان كين، فرفضا تأييد تصريحات ترامب المتفائلة، مشيرين إلى أن “الضرر كبير، لكن التقييم الكامل لا يزال جارياً”.

بين التصعيد والدبلوماسية.. أي طريق تختار واشنطن؟

يبقى السؤال المركزي: هل نحن أمام مرحلة جديدة من التصعيد تنتهي بإسقاط النظام الإيراني؟ أم أن التصريحات الأخيرة مجرد ضغط تفاوضي في لحظة حساسة؟ واشنطن تبدو، كما في مرات سابقة، معلقة بين شهوة الاستعراض العسكري وضرورة الواقعية السياسية، فيما المنطقة والعالم يدفعان ثمن كل تصعيد، لا سيما إذا غابت المسارات الدبلوماسية الحقيقية.

إن العودة إلى خيار “تغيير النظام” ليست مجرد سياسة، بل خطر مباشر على أمن الملايين في المنطقة، وعلى استقرار الاقتصاد العالمي، وعلى ما تبقى من قواعد القانون الدولي. فقد أثبت التاريخ أن الغارات الجوية قد تدمر منشأة، لكنها لا تبني دولة، وأن القنابل تستطيع تمزيق خريطة، لكنها لا تخلق السلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى