أقلام يورابيا

بين خطاب القسم والواقع السياسي: هل فقد اللبنانيون ثقتهم في العهد الجديد؟

جمال دملج

منذ انتخابه رئيسًا للجمهورية، حرص جوزاف عون على تقديم نفسه رجل دولة توافقيًا، عسكريًّا سابقًا يدرك تمامًا دقّة المرحلة ويستلهم من تجربته في قيادة المؤسسة العسكرية التوازن والصرامة في اتخاذ القرارات. أما رئيس الحكومة نواف سلام، فدخل السراي الكبير مدجّجًا بسيرة ديبلوماسية وأكاديمية ناصعة، ومحمّلًا بوعود الإصلاح، والشفافية، و”القطيعة” مع إرث الطبقة السياسية التقليدية التي حمّلها اللبنانيون مسؤولية الانهيار المتسارع.

لكن وبعد مرور أشهر على تشكيل الحكومة وإطلاق البيان الوزاري الذي أكد التزام العهد بإجراء إصلاحات اقتصادية جذرية، واستعادة ثقة المجتمع الدولي، وتنفيذ القرارات الدولية المتعلقة بحصرية السلاح في يد الدولة، بدأت ملامح الخيبة تتسلل إلى الوعي الشعبي، حتى بين أكثر المتفائلين.

خطاب القسم والبيان الوزاري: نصوص جميلة أم وعود مؤجلة؟

حين تلا الرئيس عون خطاب القسم، ثم لحقت به حكومة نواف سلام ببيان وزاري طموح، بدت الأمور واعدة. وُعِد اللبنانيون بإصلاح النظام المالي، تعزيز استقلالية القضاء، تقليص حجم القطاع العام، محاربة الفساد، وإعادة هيكلة قطاع الكهرباء. وعلى المستوى السيادي، جرى التأكيد بوضوح على وجوب حصر السلاح بيد الدولة، تطبيقًا للقرار 1559، وسائر القرارات الدولية ذات الصلة.

لكن هذه الوعود اصطدمت سريعًا بحائط الواقع السياسي. فالمشهد اللبناني، بطبيعته المركّبة، لا يسمح بالقرارات الأحادية، ولا يعفي أي طرف من لعبة التوازنات الداخلية والإقليمية. ومع مرور الوقت، بدأ المواطن يلاحظ أن الشعارات التي رُفعت في مطلع العهد لا تُترجم إلى خطوات ملموسة، أو أنها تُفرغ من مضمونها عبر التفاهمات التقليدية.

الاقتصاد… بين الأرقام والحقائق

من الناحية الاقتصادية، أحرزت الحكومة بعض التقدّم في التفاوض مع صندوق النقد الدولي، وأقرّت رزمة أولية من الإجراءات التشريعية. إلّا أن هذه الجهود بقيت، بنظر كثيرين، دون الحد الأدنى المطلوب. فلا الخطة المالية حُسمت، ولا توحيد سعر الصرف نُفّذ، ولا إعادة هيكلة القطاع المصرفي رأت النور. بل على العكس، لا يزال اللبنانيون يرزحون تحت وطأة نظام مالي متهاوٍ، وخدمات عامة مشلولة، وفقدان للأمل بالحد الأدنى من العدالة الاجتماعية.

سلاح حزب الله… “الإرث المستعصي”

أما المسألة الأكثر حساسية، أي حصرية السلاح، فقد عادت لتشكل محور الريبة الأهم. فعلى الرغم من الإشارات السياسية التي أطلقها الرئيس عون في أكثر من مناسبة، مشددًا على ضرورة “بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها”، إلّا أن لا خطوات عملية ظهرت في هذا المسار.

يُدرك اللبنانيون أن “سلاح حزب الله” ليس مجرّد ملف داخلي، بل مسألة إقليمية معقّدة ترتبط بتوازنات أكبر من قدرة أي عهد على معالجتها بمفرده. إلّا أن التناقض بين ما يُقال في الخطابات وما يُمارس على أرض الواقع، زاد من شعورهم بأن وعود الإصلاح السيادي ليست سوى بنود تجميلية في بيانات رسمية لا تترجم إلى سياسات تنفيذية.

هل الإنجازات المزعومة فولكلور لبناني جديد؟

في ظل هذا التباين الصارخ بين الوعود والتطبيق، بدأ كثيرون يتساءلون عمّا يُروَّج له في وسائل الإعلام من “إنجازات العهد”. فهل نحن أمام تجربة إصلاحية حقيقية تمضي بخطى وئيدة، لكنها ثابتة؟ أم أن السلطة الحالية بدأت تصنع “فولكلورًا جديدًا” للترويج الإعلامي، على غرار عهود سابقة كانت تسوّق نجاحات وهمية لا تُقنع إلّا أصحابها؟

السؤال مشروع، والإجابات عليه تختلف باختلاف الخلفيات والمصالح. إلّا أن ما لا يمكن تجاهله هو تآكل الثقة الشعبية، والتراجع الحاد في منسوب الأمل لدى المواطنين الذين كانوا يتطلعون إلى لحظة مفصلية تعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتحسم مسألة القرار السيادي، وتكسر الحلقة المفرغة بين النظام السياسي المتجذّر وغياب المحاسبة.

فرصة لم تُهدَر بعد؟

ربما لا تزال هناك نافذة صغيرة تُبقي على إمكانية التصحيح، خاصة إذا امتلك العهد شجاعة الاعتراف بالإخفاقات، وقرّر المضي في خيارات أقل شعبوية وأكثر جذرية. أما إذا بقيت السلطة تتعامل مع الزمن وكأنه دائم، وتكتفي بتجميل الأداء عبر الإعلام، فإن فقدان الثقة سيتحول من حالة شعورية إلى أزمة شرعية شاملة، تضع البلاد أمام مزيد من الانهيار السياسي والاقتصادي، في ظل فراغ سيادي يزداد اتساعًا… ولا أحد يعرف، حتى الآن، إلى أين سيصل مداه!

إعلامي وكاتب لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى