أقلام يورابيا
أخر الأخبار

بين الاستقرار وتآكل الحريات.. إلى أين يتجه الإعلام الأردني؟

أحمد المصري

في زمن أصبحت فيه مؤشرات حرية الصحافة مرآة دقيقة لمدى التزام الدول بالديمقراطية والشفافية، شكّل تراجع الأردن 15 مركزاً في تقرير “مراسلون بلا حدود” لعام 2025 – ليحلّ في المرتبة 147 من أصل 180 دولة – صدمة مؤلمة، خصوصاً أنه بات على بعد خطوات من دول غارقة في الفوضى، مثل اليمن (154) والصومال (136).

هذا التراجع الحاد لا يمكن قراءته كأرقام فقط، بل كمؤشر خطير على أن المساحة التي كانت متاحة ـ ولو بشكل محدود ـ لحرية التعبير والعمل الصحافي بدأت تنكمش بوتيرة غير مسبوقة.

الأردن بالمقارنة مع جيرانه، ما يزال يتمتع باستقرار سياسي وأمني نسبي، ويُنظر إليه على أنه واحة وسط صحراء إقليمية مشتعلة. إلا أن هذا الاستقرار، بدلاً من أن يكون بيئة خصبة لتعزيز الحريات، بات يُستخدم ـ للأسف ـ كمبرر لتشديد القبضة الأمنية والإعلامية، تحت ذريعة “الحفاظ على السلم الأهلي” و”مواجهة الإعلام المشبوه”.

لقد سمعنا هذه العبارات كثيراً في الآونة الأخيرة: “بث السموم”، “الإساءة للرموز الوطنية”، “التحريض”، وكلها تُستخدم لتبرير قرارات بحجب مواقع، وسحب تراخيص، والتضييق على وسائل إعلام مستقلة.

قرار هيئة الإعلام الأخير بحجب عدد من المواقع الإلكترونية وإلغاء ترخيص موقع “عمان نت”، رغم تاريخه المهني الممتد لـ25 عاماً، هو مثال حيّ على هذا النهج. وإن كان قد أُعيد لاحقاً النظر بالقرار، إلا أن الرسالة وصلت: الخطوط الحمراء تتسع، وهامش الحركة يضيق.

يعاني العمل الصحافي في الأردن من تداخل أكثر من 30 قانوناً وتنظيماً، يلامس معظمها حرية التعبير بشكل مباشر أو غير مباشر. هذه البنية التشريعية المعقدة تحوّلت إلى أداة لضبط الخطاب الإعلامي أكثر منها لحمايته.

لكن الأخطر ـ كما أشار الدكتور أشرف الراعي، الخبير في التشريعات الإعلامية ـ لـ “بي بي سي” أن الإشكال لا يكمن فقط في النصوص القانونية، بل في آلية تطبيقها، وانتقائية الملاحقة، وغياب المعايير الموحدة. فالقانون بات يُستخدم كعصا، وليس كإطار مرجعي لحماية الحقوق.

قانون الجرائم الإلكترونية تحديداً أصبح سيفاً مسلطاً على الصحفيين والناشطين، بحسب وصف “مراسلون بلا حدود”، حيث تدفع غموض صياغته وخطورته القانونية كثيرين إلى ممارسة رقابة ذاتية على أنفسهم، ما يقتل أي روح نقدية أو تحقيقية في الصحافة المحلية.

لطالما شكلت الصحافة المستقلة في الأردن إحدى أبرز أدوات التوازن بين السلطة والمجتمع، ورئة يتنفس منها المواطن في ظل مشهد سياسي يفتقر لأحزاب فاعلة أو مجتمع مدني حرّ بالكامل. اليوم، يبدو أن هناك إرادة واضحة لتقليص دور هذا الإعلام، أو دفعه نحو الترويض الكامل.

هذا التوجّه يُفرغ الساحة من الأصوات المهنية، ويفتح المجال أمام خطاب تبريري، أو إعلام موجه لا يخدم التوجهات الجديدة في الاردن. وحتى المؤسسات الدولية بدأت تُعبّر عن قلقها من هذا النهج، ما يهدد صورة الأردن على الساحة الدولية كدولة “منفتحة” و”معتدلة”.

إذا استمر هذا التراجع، فإننا قد نصل إلى لحظة يصبح فيها الإعلام الأردني “آمناً جداً… لكنه بلا معنى”. صحافة لا تزعج أحداً، ولا تكشف فساداً، ولا تطرح أسئلة، ولا تحرك الرأي العام. صحافة “بلا دور”، وهي أسوأ أنواع الصحافة.

الحرية لا تعني الفوضى، والرقابة لا تعني الاستقرار، بإمكان الدولة أن تحمي أمنها دون أن تخنق صحافتها. المطلوب ليس فقط إصلاح القوانين، بل إعادة بناء الثقة بين السلطة والإعلام، وإطلاق حوار وطني حقيقي حول دور الصحافة في الدولة الأردنية الحديثة. الاستقرار السياسي لا يكون حقيقياً إلا إذا اقترن بحرية تعبير مسؤولة، وإعلام مهني مستقل، وتشريعات واضحة تحمي لا تقمع.

الأردن بحاجة إلى مراجعة جادة لهذا المسار، قبل أن يصبح مجرد رقم إضافي في قائمة دول تُسكت الكلمة وتضيّع الحقيقة والمنطقة العربية مليئة بهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى