الميليشيات الإيرانية في العراق.. تهديد مستمر لاستقرار الدولة وعرقلة مستقبلها

لندن ـ يورابيا ـ يظل ملف الميليشيات المدعومة من إيران في العراق من أكثر القضايا تعقيدًا وحساسية في المشهد السياسي والأمني العراقي. ففي حين تتحدث الحكومات والمجتمع الدولي عن ضرورة تعزيز سيادة الدولة العراقية وتطبيق سياسات واضحة لنزع سلاح الميليشيات، ترفض هذه الجماعات التخلي عن أسلحتها، معتمدة على دعم طهران السياسي والمالي والعسكري، مما يشكل تحديًا كبيرًا أمام بناء دولة مستقرة وموحدة.
ما يزيد من تعقيد المشهد هو أن معظم هذه الميليشيات لديها نفوذ سياسي داخل العراق، حيث ينتمي قادتها إلى أحزاب متنفذة تملك مقاعد برلمانية وقدرات ضغط على السلطات التنفيذية. هذا النفوذ يجعل من الصعب على الحكومة العراقية اتخاذ إجراءات حاسمة ضدها، خاصة مع وجود مصالح إقليمية متداخلة وافتقاد توافق داخلي حول مسألة السلاح غير الرسمي. علاوة على ذلك، تمثل هذه الميليشيات ورقة استراتيجية تستخدمها إيران في مفاوضاتها الإقليمية والدولية، ما يحول دون التوصل إلى حلول جذرية.
هذه الجماعات المسلحة لا تقتصر على تهديد الأمن الداخلي فقط، بل تعد من أكبر العوائق أمام جهود إعادة الإعمار والتنمية في العراق. حيث إن وجودها المسلح خارج سلطة الدولة يعيق الاستثمار ويزيد من حالة عدم اليقين، مما يدفع العديد من المستثمرين إلى التردد في ضخ أموالهم في بلد يعاني أساسًا من أزمات متعددة. بالإضافة إلى ذلك، فإن الهجمات المتكررة التي تستهدف مصالح أجنبية وقوات التحالف الدولي تزيد من مخاطر التصعيد العسكري في المنطقة وتزيد من توتر العلاقات الإقليمية.
في ظل هذا الواقع، يواجه العراق معضلة كبيرة بين الحاجة إلى الحفاظ على توازنات سياسية دقيقة وبين ضرورة فرض هيبة الدولة وسيادتها. عدم معالجة ملف الميليشيات بشكل حاسم يهدد بانهيار الدولة العراقية واستمرار حالة الفوضى، مما قد يجر المنطقة بأسرها إلى مزيد من التوترات.
من الناحية السياسية، فشل الحكومات المتعاقبة في فرض سيطرة الدولة على السلاح أدى إلى إضعاف الثقة الشعبية والحكومية على حد سواء، مما يفتح الباب أمام قوى خارجية للعب أدوار أكبر في الشأن العراقي. هذا الواقع يفرض على الأطراف الدولية، ولا سيما الولايات المتحدة، العمل على استراتيجية متوازنة تضمن دعم الدولة العراقية في مواجهة هذا التحدي دون أن تزيد من تعقيد الوضع.
في النهاية، يبقى الحل الوحيد أمام العراق هو حوار داخلي وطني شامل يضمن إعادة دمج الميليشيات في إطار الدولة، أو تفكيكها بشكل تدريجي عبر خطوات مدروسة تضمن عدم إحداث فراغ أمني، مع دعم دولي وإقليمي واضح يضع مصلحة العراق واستقراره فوق أي حسابات أخرى.